بدأت في المقال السابق بتوضيح المعنى المراد بالمجتمع المدني، ولماذا يهمنا أن نتحدث عن هذه المفردة ضمن مفردات النهضة والتنمية والتقدم الشامل الذي تسعى له بلادنا، ومكة -عند أبنائها على الأقل- لا بد أن تكون في القلب من الاهتمام في هذه العملية التحديثية الكبيرة التي يُسمع صوتها في طول البلاد وعرضها عبر مشاريع مليارية ضخمة، تهدف لاستغلال الطفرة النفطية التي تشهدها أسعار البترول في السنوات الحالية، وهي ظروف قد لا تدوم طويلا نظرا للمتغيرات الاقتصادية والسياسية المتسارعة في الإقليم والعالم.
في مكة لا أرى وجودا للمجتمع المدني إلا فيما يعرف بالوجهاء، وهم أشخاص بارزون في المجتمع، منهم مثقفون وتجار ورجال دولة سابقون، أي أنهم نخبة المجتمع، وبرأيي أن النخبة في أي مجتمع لا يمكن أن تكون ممثلة لهذا المجتمع بتنوعه في الطبقات والأفكار والتوجهات والاهتمامات، علاوة على أن الكثير ممن يُصنفون بأنهم وجهاء رأس مالهم الوحيد هو العلاقات المميزة مع المسؤولين!.
ولتتضح الصورة أكثر للقارئ الكريم، الذي ربما سيتساءل كيف يمكننا أن نطالب المجتمع بتقديم نفسه وصوته بقوة وتنظيم، ما لم تشرع الدولة نظاما واضحا لمؤسسات المجتمع المدني (مجلس الشورى اعتمد هذا النظام منذ سنوات ولكنه لم يعتمد من مجلس الوزراء للآن) وهذا اعتراض في محله ولا شك، فلا يمكن للمجتمع المدني أن يتبلور في مؤسسات وهيئات منظمة وفاعلة ما لم يوجد قبله النظام الذي يسمح بتكوين هذه المؤسسات في المجالات المختلفة التي تحدثنا عنها في المقال السابق.
ولكنني أتحدث هنا عن مجتمع فاعل ونشيط في قضايا وطنه ومدينته، بأبسط الوسائل وقدر المستطاع، فيبادر بطرح رأيه والتواصل مع المسؤولين في كبير الأمور وصغيرها، لدينا في مكة مثال جميل وهو مبادرة «معاد»، وهي مبادرة قام بها عدد من المثقفين والمهتمين بالتراث المكي، كما جاء في تعريفها أنها: (تعمل على تعزيز كل ما يتعلق بالهوية التاريخية والثقافية والاجتماعية وإحياء الجوانب الإيجابية ونشرها في المجتمع المكي).
قدمت هذه المبادرة لعدد من الجهات الحكومية عدة أفكار ومشاريع تتعلق بالمحافظة على ما بقي من تراث مكة وذاكرتها المكانية، وقد لقيت - فيما أعلم- تجاوبا جيدا من معظم الجهات الحكومية والأهلية.
في مدينة جدة على سبيل المثال، ورغم غياب المؤسسات أيضا، إلا أن المبادرة والفاعلية من السمات الظاهرة للمجتمع، حتى إن المجتمع كان في بعض الأحيان يسبق أجهزة الدولة ويدفعها للتحرك!، كما حدث في النمو المطرد والسريع لظاهرة التطوع تفاعلا مع كارثتي السيول الشهيرة، فقامت بعدها أمانة جدة بتخصيص إدارة وموقع الكتروني للفرق التطوعية الناشئة في مجالات متعددة.
معادلة القرار التنموي بمكة متداخلة، فهناك الإمارة والأمانة وهيئة تطوير مكة، ووزارة النقل، ووزارة المالية، والإشكال في هذه المعادلة لا يتمثل فقط في غياب التنسيق والتخطيط المشترك بين هذه الجهات (بحسب ما يقوله بعض المنتسبين لديها) فالأمانة تشتكي من عدم تبليغها بمشاريع وزارة النقل، والإمارة تشتكي من هيمنة وزارة المالية وتوجيهها المباشر للمنفذ، وهيئة التطوير تشتكي من عدم الالتزام بالمخطط الشامل المعتمد من الدولة!.
ولكن الإشكال يتمثل أيضا في الغياب الواضح لصوت المواطن المكيّ عن كافة دوائر صنع القرار الخاص بمستقبل مدينته والشكل الذي ستكون عليه.
ولعل هذا عموما من سلبيات التخطيط المركزي الذي لا يلتفت عادة للخصوصيات الخاصة بكل مدينة ومجتمع، والتي -وإن بدت للبعض صغائر لا تستحق الأخذ بالاعتبار- إلا أنها امتداد حقيقي للعناصر المكونة لـ(أسلوب الحياة) الخاص بكل مدينة وبكل تجمع سكاني.
لقد كانت مكة المكرمة هي موطن أول مجلس شورى ومُنتَخَب في المملكة العربية السعودية، وجه الملك عبدالعزيز رحمه الله بتكوينه ليعاونه في إدارة شؤون العاصمة المقدسة، كان ذلك عام 1343هـ، كما جاء في موقع وزارة الخارجية السعودية: (وشارك في هذه المجالس الأهلية نخبة من العلماء والأدباء والمفكرين ورجال الأعمال (التجار).
وكانت هذه المجالس الأهلية هي النواة الأولى للمجالس المدنية).
ورغم غياب مثل هذه المجالس الفاعلة اليوم، إلا أن متغيرات العصر أوجدت حلولا وبدائل أخرى في حال انسداد الحلول الأساسية، فتكوين الرأي العام لم يعد حكرا على مؤسسات الإعلام الرسمية، وحرية الحركة لم تعد حكرا على المؤسسات الرسمية، فالمبادرات الشبابية والمشاريع ذات النفع العام قادرة على البروز والظهور وتسجيل مواقف المجتمع، موقع «قبلة الدنيا» الالكتروني مثال على النجاح الممكن للمبادرات الفردية، ومبادرة «معاد» دليل على أن نشاطا اجتماعيا منظما سيقدر على التأثير ولو بشكل جزئي.
إن ما هو منتظر من أهل مكة اليوم التحلي بروح المبادرة لا اللطم، والفعالية لا الانفعال، والتأثير لا الخضوع للمتغيرات.
عن المجتمع المدني في مكة
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
