حظي الحديث عن الرحلات التي قام بها الرحالة على مر الأزمان باهتمام كبير، لا سيما تلك التي وثقت في مؤلفاتهم، وقد تحدث ابن خلدون عن أهميتها في مقدمته بقوله «والرحلة لا بد منها في طلب العلم، ولاكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشايخ ومباشرة الرحال».
ونشأ عن هذا التوثيق ما سمي (أدب الرحلات)، وهو نوع بارز من أنواع الأدب العربي، تصاغ من خلاله الرحلات بطريقة أدبية مشوقة، فروحانية الرحلة تغري كل مبدع وأديب لأن تكون حاضرة في إبداعاته.
روحانية المشاعر
الرحلة إلى بلاد الحرمين، وإلى مكة والمدينة خاصة حظيت بكثير من التوثيق في المؤلفات، وذلك من خلال التعبير عن روحانية المشاعر، والمشاهد التي تواجه الرحالة في بلد يتوجه إليه الملايين من شتى بقاع المعمورة؛ لأداء مناسك الحج والعمرة.
من أبرز المؤلفات التي تحدثت عن رحلة الحج والعمرة في أدبنا العربي الحديث: كتاب (في أرض الحجاز) لأحمد حسن الزيات، الذي ارتحل إلى الحجاز في الفترة التي كانت ترضخ فيها الدول العربية تحت وطأة الاستعمار، ومما قاله فيه: «ما أحوج المسلمين اليوم إلى شهود هذا المؤتمر، فلطالما حصرهم المستعمرون في أوطانهم المغصوبة، ثم قطعوا بينهم الأسباب، وحرموا عليهم التواصل، وفصلوا حاضرهم عن الماضي الملهم، والمستقبل الواعد بطمس التاريخ، وقتل اللغة، وإطفاء الدين فلم تكن لهم جمعة إلا موسم الحج لو خلوا بينهم وبينه، ويسروا لهم اللقاء فيه...».
العقاد والحج
عباس العقاد أيضا من أبرز الأدباء الذين وثقوا تفاصيل رحلتهم للحج، وقد تحدث عن حمام الحرم بعد حديث موسع عن غار حراء، والكعبة المشرفة، يقول: «منظر ثالث أخذني بجماله في جوار البيت الحرام، وهو منظر الحمام الآمن الوادع في ذلك المقام، لا يخشى ولا يفزع، بل يظل طوال نهاره في طواف على الأرض وطواف في الهواء، وأعجب ما سمعت ورأيت أنه يطوف حول الكعبة ولا يعلو عليها فرادى ولا جماعات، وقد سمعت بهذه الخاصة في حمام البيت قبل أن أراه، فلما رأيته في طواف العمرة وطواف الوداع تحريت أن أتعقبه في كل مذهب من مذاهب مطاره فإذا هو كما سمعت يطوف ولا يتعدى المطاف إلى العبور».
وقد ألقى العقاد قصيدة أثناء لقائه الملك عبدالعزيز في البقاع المقدسة، وقال فيها:
عش يا طويل العمر عيش معمر
تحيا به أمم من الأحياء
أنيس منصور
أيضا في كتاب (أيام في الأراضي المقدسة) لأنيس منصور- الذي يعد من أبرز كتّاب أدب الرحلات في القرن العشرين - تحدث عن مشاعره في الأراضى المقدسة، ومما قاله عنها: «إنني لا أدعو إلى دين جديد، إنما إلى إحساس جديد بالدين، كأنني كنت نائما وصحوت على ضوء الفجر، أو كنت ساهرا فامتدت ملايين الأصابع تهدئ كل ما هو نافر ناشز في رأسي وفي قلبي«.
كما ربط المفكر عبدالرحمن الكواكبي بين الدعوة للنهضة والتحرر من الاستعمار، وائتلاف المسلمين واجتماعهم على كلمة واحدة ورحلة الحج، ليعودوا إلى عصر قوتهم التليد، يقول في بداية رحلته: خرجت من وطني إحدى مدن الفرات (حلب) وكلي ألسن تنشد:
هلموا إلى أم القرى وتأمروا
ولا تقنطوا من روح رب مهيمن
فإن الذي شادته الأسياف قبلكم
هو اليوم لا يحتاج إلا لألسن
ومن المؤلفات الأخرى التي اتخذت من رحلة الحج موضوعا رئيسا لها: كتاب (رحلة الحجاز) لإبراهيم عبدالقادر المازني، و(في منزل الوحي) لمحمد حسين هيكل، و (إلى أرض النبوة) لعلي الطنطاوي وغيرها الكثير.

