الشعور بالوصاية على الناس ليس من أخلاق الدعاة إلى الله، الوصاية فيها معنى التزكية للنفس، والكبر على الناس، بينما الداعية إلى الله خائف على نفسه كما هو خائف على الناس، ويرى أنه مُعرَّضٌ للذنوب كلها، بما فيها الشرك الأكبر، لولا حفظ الله.
إمامُ الحنفاء والموحدين، أبوالأنبياء، إبراهيم - عليه السلام - يخاف على نفسه من الشرك: «وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ» [ ابراهيم:35 ]، بينما تجد بعضنا يخاف على الناس، ولا يخاف على نفسه ! بمثل هذا الخوف على النفس، تنكسر حدة النفس وتزكيتها على الخلق، ويذوق القلب لذة التعلق بالله وحده في هدايته وثباته: «يا عبادي كلكم ضالٌّ إلا من هديته؛ فاستهدوني أهدكم».
إن القلب الأكثر رسوخاً في الهداية هو الأكثر تواضعاً والأقل ادّعاء، وحين يطفو على النفس شعورٌ بزيادة الإيمان، والتفوق على الآخرين، فإن ذلك من ضعف إيمانه لا من قوته.
وقد حكى لنا القرآن مقالة الأعراب في الادِّعاء، وعالجها في آخر سورة الحجرات: «قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (14)» [سورة الحجرات].
المؤمن والداعية إلى الله يتعامل مع ذنوب الآخرين بالاستغفار، وليس بالملاحقة والفضح والتعيير: «وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ».[ محمد : 19].
وفي هذا الاستغفار معانٍ ضرورية لقلب الداعية: فهو مشغول بذنبه قبل ذنوب غيره، وفيه معنى الانكسار والتواضع، وذنوب المؤمنين لها في دعائه نصيب، وهذا يورث الحب والرحمة والشفقة، ويطرد القسوة والتعيير وغمط الناس وازدراءهم.
كن على يأسٍ من حسم الخلافات في الحياة الدنيا، والدعوةُ إلى الله لن تجعل جميع الخلق هداة مهتدين: «إِنَّ رَبَّكَ (هُوَ) يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ»[ السجدة: 25]، فحسم الخلاف والفصل التام بين المختلفين من أعمال الربّ - جل جلاله - وسيكون في يوم الفصل، وما أدراك ما يوم الفصل! في الدنيا لن يكون هذا الفصل، وستظل كل طائفة معجبة بدينها وأفكارها وتدعو إليه غيرها، وسيظل الدعاة إلى الله في حياتهم الدنيا يعملون في هذه الدعوة، ولن يأتي اليوم الذي تتعطل فيه الحاجة للدعوة إلى الله.
استحضار هذا المعنى يخفف من الطموح الذي قدَّر الله خلافه، ويساعد على مواصلة الطريق دون يأسٍ أو انقطاع، ويجعل الداعية أكثر ارتباطاً بمهمته الدعوية وعدم الانشغال بفصلٍ لا يقدر عليه إلا الله.
إن النقاء والصفاء الذي يعيشه الداعية في داخل نفسه لا ينبغي أن يصل إلى حدٍّ يعجز معه عن التعايش مع نقائص المجتمع، وأخطائه، وخطاياه؛ فإنه إن عجز عن ذلك، هرب إلى العزلة، وانكفأ على خاصة نفسه، بعيدا عن المجتمع ودعوته وإصلاحه.
هكذا يريد الشيطان وأتباعه: أن تخلو الساحة من خصومهم؛ حتى تجتالهم الشياطين فيما يغضب الله ويسخطه.
الرضا عن نقائص المجتمع خطيئة، والهزيمة أمامها ضعفٌ ونقيصة، ومقاومة ذلك بثباتٍ ودعوة وصبرٍ وحكمة..حقٌّ وفضيلة.
النقاء الذي يحبه الداعية لن يكون في هذه الدنيا، إنما هو في الجنة وحدها.
في الجنة (وحدها) لن تسمع «لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا* إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا» [ الواقعة: 25-26]، أما في هذه الدنيا فسيظل الداعية يسمع لغواً وتأثيماً، وهو يصبر ويصابر في استقامته ودعوته.