من علامات تردي حالنا ـ نحن العرب ـ شدة انقسامنا على كل رأي مطروح مهما بلغت أهميته وحساسيته.
، ولو كانت خلافاتنا بين العامة لهان ذلك، ولأمكن تخطيها بالتوعية المستمرة المنطقية العقلانية، ولكن الكارثة العربية تكمن في كون هذا الاختلاف أكثر احتداما وتعارضا بين المثقفين أنفسهم، مما يصعب عملية التوعية.
والإرهاب مثلا كقضية أحرقتنا عربيا وإسلاميا، قابلناه بعدة آراء متناقضة تكاد تنهي عروبتنا وإسلامنا، إن لم تكن قد أنهتهما فعلا.
إرهاب أبدعت في تأطيره جماعة القاعدة ومن أنشأها، ثم استمراره في التغلغل بيننا بعدة مسميات حتى وصلنا إلى (داعش)، وهو ما يزال موضع جدال عنيف بين أعمدة نخبة المثقفين المنقسمين بآرائهم للآتي:

1.أنه هو نفس فرض الجهاد الديني المعطل، والذي يجب تثبيته، وإعادته للحياة بشكله الشرعي، وأن تسميته بالإرهاب ما هي إلا زيغ عن الدين السليم.

2.أن الإرهاب، الموجود في حياتنا الحالية مغلوط، وأنه لا بد من إزالته - بعد حين- لكونه محمودا بعض الشيء في وقتنا هذا، لأنه ينظف عالمنا العربي والإسلامي من أصحاب البدع والمذاهب المخالفة، والمعتقدات الحديثة!

3.أنه ينافي الإنسانية، وينافي أي دين أو معتقد سليم، لذلك يجب اجتثاثه من العقول أولا، وتجفيف منابع دعمه وتأييده، ثم تغيير جميع وسائل التربية والتعليم المؤدية لتأصيله.
تلك الثلاثية المتنوعة المتناقضة من درجات الوعي العربي لنفس القضية نجدها ماثلة في منازلنا، ومجتمعاتنا، ومدارسنا، وجامعاتنا، وفي إعلامنا، وفي عقول مثقفينا ممن ينثرون حولنا آراءهم بالعلن والسر، ولو كانت أغلبيتنا من الفئة الثالثة، لكان الحال أهون، ولتناقصت محطات الخلل والتذبذب، في عقولنا ومعطياتنا، حيث يكون من السهل احتواء النسبة البسيطة ممن يؤمنون بالنقطتين الأوليين؛ ولكن - ويا لهول ما نحن فيه من غوغائية - فالنسب تكاد تكون متساوية بين الفئات الثلاث، بل إن نسبة الفئة الثانية تكاد تكون أغلبية طاغية محرقة لمشاعرنا وعقولنا، مما يجعلنا بعيدين كل البعد عن سيادة الوعي السليم، الذي يرفعنا لمستوى الإنسانية السوي، والتي يكون همها عمار وخير الأرض، والتقرب لله بالمحبة والسلام والعلم والعمل، فلا يتفرد لنفسه بالحقوق، والحياة وينكرها عن الآخرين.
حلول وقتية تقوم بها بعض الدول، من تجريمها للإرهاب، وتسليط قنوات الإعلام على أضراره، ولكن جهودها سرعان ما تضمحل، فالأمر أعقد من ذلك، وأكثر جذرية، ويحتاج لتضافر جميع العقول الوطنية لمحاربته.
والقائمون على الدين هم أهم وأول من يجب أن يتفقوا على تجريم الإرهاب، وعدم إعطائه أي مسوغات أو مسببات شرعية أو سياسية أو مذهبية، وهم من يجب أن يقفوا في وجه من لا يزالون يدعون له بالخفاء.
ويأتي بعد ذلك دور المثقفين، وإلا فسيظل الإرهاب يطاردنا حتى في أحلامنا، ويجعلنا بكل مكتسباتنا عرضة للسحق والمحق، من أشقياء مغرر بهم.