حين تحكم على إنسان من الانطباع النفسي الأول الذي يقع في خلدك ويتسلل بعد ذلك إلى عقلك ليكون معيارا مباشرا لتقييم ذلك الإنسان إجمالا فأنت حينها أحد رجلين، إما صاحب فراسة لا تخطئ، قد رزقك الله نظرا ثاقبا لا يخضع لمعايير المادة والواقع، وإنما هو حدس رباني لا تملك دفعه، وقل أن يخطئ، وستكون حينها فردا في شريحة نادرة من الناس بدأت في التلاشي في الأزمنة الأخيرة مع غلبة التخليط على الناس وضعف التعبد والتجرد، وكثرة الأكل والمخالطة حتى ثقلت النفوس وتشوشت، وعليك أن تحمد الله على هذه النعمة إن كنت فعلا من أهلها.
وإما أن تكون متهورا لا يطيق الاحتكام إلى المعايير الصحيحة، فتدفعه قلة صبره إلى الاستسلام للانطباع الأول أيا كانت ظروفه، وربما منعه الكبرياء الزائف من مراجعة ذلك الشعور واختباره فيبقى من حيث أراد رهينا للقطة الأولى وللقاء الأول.
والمنطق الشرعي والعقلي هو أن المرء إذا اقتضاه الحال للحكم على شخص حكما عاما فإنه لا بد أن ينظر إليه من أكثر من زاوية، وفي مقدمة هذه الزوايا مقدار تدين هذا الشخص وعلاقته بربه، وأخلاقه في أحواله كلها سواء كانت طبيعية أو طارئة، وتعامله مع خصومه، وتجربة واختبار بعض ما يظهره على أرض الواقع ما أمكن بعيدا عن مواطن التجمل والمظهرية.
ومع مستجدات الحياة المعاصرة بات من الممكن أن ترى من يأسرك مظهره وخطابه وهو على العكس من ذلك في واقع الأمر، وكم سمعنا عن أحوال ومعاملات زوجية مخجلة لبعض من يعدون في ظاهر حالهم من فضلاء الناس، وكم رأينا من مواقف في العمل أو الجوار أو حتى في المواقف العامة تدل على نقص وخلل مستحكم في أصحابها المبجلين، في حين أن من خدعه الظاهر جعل من هؤلاء نموذجا وقدوة.
ولتقرير المبدأ العام في الحكم على الناس وعدم الاغترار بالظاهر يقول تعالى في شأن المنافقين (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم ...) ويقول تعالى محذرا من سطوة المظهر العام على الحكم ( فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا...) وحين رد الكفار الحق في أول الأمر كانوا قد انطلقوا من زاوية ظالمة قدموا فيها المقياس المادي والعنصري ورتبوا على ذلك النتائج الخاطئة (وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي) ومشهد الاغترار بالظاهر يتكرر في قصة قارون لتنكشف الحقيقة في آخر القصة.