افرح بالعيد مِلْءَ قلبك
وأسعِد معك يتيما واحدا
تلذذْ بطعامك ملء بطنك
وأطعم معك جائعا واحدا
تباهَ بثيابك ملء خزانتك
واكْسُ معك فقيرا واحدا
كل عام وأنتم بخير يا سادتي الكرام، لعلكم اقتبستم لأنفسكم ولعيالكم بعضا من فرحة هذه الأيام العامرة بالأنوار. وأظنكم – كذلك - تشعرون بالضيق لأن أيام العيد الحُلوة انقضت أو تكاد..
فما رأيكم لو أنني قلت لكم إن الإبقاء على روح العيد حاضرا في نفوسنا طوال أيام السنة أمر ممكن؟!
والحيلة لتحقيق ذلك بسيطة؛ ما عليكم إلا أن توسعوا نطاق فرحتكم إلى أكبر مدى، وأن تُظلوا بخيمة العيد الملونة البهيجة، أكبر عدد مُتاح من الآخرين: المستضعفين، والفقراء، واليتامى، والغارمين، وعابري السبيل.
ضعوا لقمة في فم جائع، ارسموا ابتسامة على شفتي يتيم، امنحوا مريضا مُعسرا ثمن التداوي.. حين تفعلون ذلك، تمتلئ نفوسكم بسعادة البذل والعطاء، وينفتح في صدوركم باب التواصل مع الإنسانية جمعاء، فإذا بصدأ الحياة يذوب، وإذا بمعادن القلوب تنجلي، ناصعة صافية..وإذا بالعيد يصبح زائرا يوميا لحياتك، وحياة أسرتك، يمسها بالبركة والسلام والرخاء والفرحة.
هذه الحقيقة النفسية المهمة ليست من اكتشافي، بل هي من اكتشاف سلفنا الذي نضرب المثل بسخائه حتى اليوم، حاتم الطائي الذي جعل العطاء أسلوب حياة، فمنحه كرمُه السعادة الدائمة، رغم المشقة والإقلال.
وهأنذا أذكركم بإحدى حكايات سخائه الأسطوري، ورغم أنها قد لا تكون واقعة تاريخية يمكن التأكد بالأدلة من وقوعها فعلا، ورغم أنها قد تكون حكاية مؤلفة لتسلية أحد الخلفاء قبل ألف سنة، إلا أنها ما تزال صالحة للاستشهاد بها، وبالشعر الجميل الذي تتضمنه.
قالت النوار امرأة حاتم الطائي: أصابتنا سنة اقشعرَّت لها الأرض، واغبرَّ أفق السَّماء، وراحت الإبل حدبا حدابير(جفت ضروعها) وضنَّت المراضع عن أولادها فما تَبِضُّ بقطرة، وجَلَّفَت السَّنَة المال (أكلت أموال الناس) وأيقنَّا أنَّه الهلاك. فو الله إنِّي لفي ليلة صَنْبر(باردة) بعيدة ما بين الطَّرفين، إذ تضاغى(بكى) أصيبيتنا (عيالنا) مِن الجوع، عبد الله وعدي وسَفَّانة، فقام حاتم إلى الصبيَّين، وقمت إلى الصبيَّة، فو الله ما سكنوا إلَّا بعد هدأة مِن اللَّيل، ثمَّ ناموا ونمت أنا معه، وأقبل يعلِّلني بالحديث، فعرفت ما يريد، فتناومت، فلمَّا تهوَّرت النُّجوم (غابت) إذا شيء قد رفع كِسْر البيت (أسفل الخيمة) فقال: مَن هذا؟ فولَّى ثمَّ عاد، فقال: مَن هذا؟ فولَّى ثمَّ عاد في آخر اللَّيل، فقال: مَن هذا؟ فقالت: جارتك فلانة، أتيتك مِن عند أصيبية يتعاوون عواء الذِّئاب مِن الجوع، فما وجدت معوَّلا إلَّا عليك أبا عدي، فقال: والله لأشبعنَّهم، فقلت: مِن أين؟ قال: لا عليك، فقال: أعجليهم فقد أشبعك الله وإيَّاهم، فأقبلت المرأة تحمل ابنين ويمشي جانبيها أربعة، كأنَّها نعامة حولها رئالها (صغارها) فقام إلى فرسه فوجأ لبته (ضرب نحره) بمديته، فخر، ثمَّ كشطه، ودفع المدية إلى المرأة، فقال: شأنك (الآن)، فاجتمعنا على اللَّحم، فقال: سوأة! أتأكلون دون الصِّرم؟! (يقصد الجيران) ثمَّ جعل يأتيهم بيتا بيتا ويقول؛ هبُّوا أيُّها القوم، عليكم بالنَّار، فاجتمعوا، والْتَفَع (التحف) بثوبه ناحية ينظر إلينا، لا والله ما ذاق منه مُزْعَة (قطعة) وإنَّه لأحوج إليه منَّا، فأصبحنا وما على الأرض مِن الفرس، إلَّا عظم أو حافر، (فعذلته (لُمته) على ذلك، فأنشأ حاتم يقول:
مهلا نوار أقلِّي اللَّوم والعذلا
ولا تقولي لشيء فات: ما فعلا
ولا تقولي لمال كنت مهلكه
مهلا، وإن كنت أعطي الجنَّ والخَبَلا
يرى البخيل سبيل المال واحدة
إنَّ الجَوَاد يرى في ماله سبلا
لا تعذليني في مال وصلت به
رحما، وخير سبيل المال ما وصلا
(نقلا عن كتاب الشعر والشعراء للدينوري)
حاتم هذا هو جدي وجدك، قارئي الكريم، وهؤلاء هم العرب الذين أيقنوا منذ فجر تاريخهم أنه (ما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط)، وأن سعادة البذل والعطاء والتخفيف عن الآخرين، هي العيد الدائم المضيء داخل الصدور، حتى بعد انقضاء أيام العيد.