الكتابة في أصل معناها اللغويّ الجمع والضم والرتق والنقش والخط، وهي مشتقّة في لسان العرب من «كتب القِربةَ» أي جمع حدّيها وضمّهما بالغرزة تلو الغرزة من الخيط ونحوه، فصار الخطّ بالقلم علمًا عليها، وما زال ظلّ هذا المعنى يصحبها في الاصطلاح حتّى قيل عنها بأنّها «صناعة روحانيّة تظهر بآلة جثمانيّة دالّة على المراد بتوسّط نظمها».
فالكتابة تقييد مادّيّ ظاهر ومنجز لتلك المعاني القائمة في الذهن والتصوّر والخيال، وهي من ثمّ صورة للعالم يراها المبدع فيجعل منها حقيقة رمزيّة ماثلة للعيان، إنّها استبطان الذات المبدعة لذاتها ولوجودها، وعلامة رمزيّة لتلك الذات في وعيها العالمَ من حولها، فالكتابة خروج من الذات لخلق حوار مع الآخر المؤتلف مع هذه الذات والمختلف عنها معًا في هذا الكون.
والكتابة الإبداعيّة هي تجربة في التنقّل ما بين مطلق الحريّة الرحبة وقيد الموقف الإنسانيّ الملتزم، يعيش من خلالها الفنّان لحظة التعرّف على مداه الإنسانيّ الشاسع والممتد من بدء التكوين في حفنة التراب المعجن بالماء والهواء والنار، إلى أفق التجلّي العلويّ في النفخ الإلهي أو الروح الأعظم، أو العقل الكلّيّ لهذا الكون العجيب. وما الكتابة في حقيقة أمرها سوى بحث الإنسان عن نفسه؛ لاكتشاف معناه، ولاستكناه حقيقة وجوده، ومن هنا تنبع معاناته مع الكتابة، ومن هنا تكون متعته الغنيّة بها، مبدعًا كاتبًا، وقارئًا مستمتعًا، ومتأمّلاً معتبرًا في الحالتين.
فالكتابة الإبداعيّة متعة ذهنيّة، ولذّة عقليّة، يستطيع المبدع أن يستثيرها في نفسه بفعل ذاتي إيجابي فاعل أو فعّال، دونما حاجة إلى مثير خارجيّ شبيه بذلك الذي نحتاجه في قضاء اللذائذ الحسّيّة، لذا لو عرف الناس قيمة لذّة الإبداع في الكتابة والقراءة والتأمّل ومتعتها لقاتلوا المبدعين عليها.
في الكتابة الإبداعيّة
جمال مقابلة2 دقائق للقراءة

حجم الخط
