إذا اعتبرنا الفضاء الالكتروني فتحا مبينا في مجال المعرفة وحريّة الرأي والتخلص من الرقيب التقليدي وتوفير المعلومة وتسهيل الحصول عليها و»تشييخ» قوقل فإن من أكبر العيوب التي تركها لنا أنه أصبح مجالا واسعا للكذب تحت محجّة التسويق وابتلاع القارئ.
هذا الدجل المتاح سواء أكان الكترونيا، وسنستعرض الأمثلة، أو كان مكتوبا بمعرفات أو بأسماء وهمية وحقيقية، هو دجل متاح ونوع من أنواع الكلام المزيّف واستغلال لرغبة متصفح الانترنت للحصول على معلومة، وبالتالي توفيرها بيدي وبيد عمرو وبكل الأيدي المتاحة.
هذا الفضاء المتاح بأوسع أبوابه يمكن اختباره في أي وقت لكشفه كمصدر معلومات ومن ثمّ فإن صفات الصدق والموضوعية للباحث ستنكشف هي بدورها، لكن ذلك لن يحدث إلا بتوفّر شروط المعرفة التقنية والأدبية الأخلاقية لمستخدميه، أي بمعنى معرفة الأبجديات الأدبية للتعامل الالكتروني الشعبي، وهنا لا أعني بالتأكيد ما أتيح لغيرنا وفق معايير أخلاقية مهنية للباحثين عن المعرفة وموفريها، أي أن المعايير بالنسبة للعالمين مختلفة وفق ما قدمته وتقدمه الأنظمة السياسية والمدنية أخلاقيا.
ولكي تتضح الأمور فإن أشهر المواقع بالنسبة للسعوديين تحديدا للمشاركة بالرأي هي مواقع المنتديات الالكترونية، وأتذكر أنه في عام 2005 كان هناك إحصائية لعدد منتديات الانترنت السعودية بلغت ما يقارب 3000 منتدى الكتروني بعدد مشتركين تراوح من ثلاثة أشخاص حتى 30 ألف مشترك.
هذه المواقع يغلب عليها طابع المشاركة بأسماء مستعارة وبالنسبة للمتصفح في مواقعنا السعودية يعتمد كثيرا عليها كمصدر معلومات في بعض المرات التي تتوفّر فيها معلومة «ما» بعيدا عن طابعها السائد للمشاركات والردود على المشاركات.
من أين بدأ الكذب؟المناخ الأخلاقي الإنساني بشكل ما أفسده الطابع التسويقي التجاري وهذه سمة أغلب الأنظمة، وبعد الاختصار فإن انتقال العدوى أصبح سمة بشرية لمجتمعات من هذا النوع متى ما غابت الأنظمة التي تحاسب على هذا الفساد وغابت الأنظمة المدنية التي تعزّز الأخلاق البشرية المدنية وتضعها في مكانها الطبيعي في التعاملات المعرفية الإنسانية.
هذا الفضاء الالكتروني أتاح فرصا كثيرة للوجود الرمزي وبدأت المسألة من وجود «هكرز» قادرين على تزييف المعلومة واستخدامها لجذب المتنزهين.
منذ عام 2000 تقريبا أي بعد شيوع الانترنت بسنتين أو ثلاث تم تنشيط أمخاخ فاسدة وكانت السلعة الوحيدة والسهلة هي الاختراقات وتصميم برامج صغيرة لا تأخذ جهدا من الوقت ولا الحجم الذي يقاس به البرنامج وكلما قلّ سهل استخدامه.
ما تلاه هو بداية التزييف الأخلاقي، حيث وفّرت التقنية عن طريق مصممين سهلين برامج تزيّف عدد الزوار للمطلعين وبدأت المنتديات التي تشكو من عدم وجود مشتركين أو زوّار بتركيب برامج لا يتجاوز حجمها 10 كيلو بايت تعمل عشوائيا على تزييف الأرقام (زيادة عدد المشاركين، زيادة عدد الزوار) وصرت تجد أحد المنتديات الذي يبقى الموضوع عالقا في أعلى الصفحة ليوم كامل تقريبا بعدد زيارات تفوق الآلاف، بينما الموضوع لم يتحرّك من موقعه.
وانتقلت العدوى.
ما جعلني أفتّش عن أخلاق هذه العدوى أن أحد المواقع الالكترونية يجري حوارا مع كاتب مغمور ويصفه بأنه الروائي السعودي الأكثر مبيعا! والنّاس أقبلت لتمجيد الروائي الذي كتب في أول ردّ أنه أصبح عربيا وربما سيكتب لاحقا أنه أصبح عالميا.
هذا ما جاء بشأن الروائي، أما تصنيف الأكثر مبيعا والذي تعتمده أحيانا بعض الصحف المحلية فهو تصنيف عشوائي ويفتقد للمهنية إذ لا يوجد مصدر يمكن الاعتماد عليه.
ففي معرض الكتاب يوجه الصحفي السؤال لمؤلف أو لصاحب دار نشر، وبالتالي «ماهي الكتب الأكثر مبيعا، أو كم الرقم الذي حققه كتابك بالمبيعات» ومن هناك أو من نفس المصادر تنتشر المعلومة ونكتشف بعد مرور شهر أن كل الكتاب هم الأكثر مبيعا، طبعا هذا في الوسط الثقافي مجازا، أما القارئ أو المتصفح فإنه سيصبح أمام معلومات تم تمويهها عليه بصفتها حقائق وسيبتلعها.
ـ الكتاب المصنّف ككتاب أكثر مبيعا كم باع؟ نسختين أم عشرة ملايين نسخة؟ مثل ذلك يحدث الآن بتويتر، استغلال الأرقام المزيفة وفي كل مواقع التواصل الاجتماعي حيث ينشط باعة جوالون ومعلنون وأرقام مزيفة، العدوى انتقلت من أعداد القتلى في الحروب إلى أعداد المزيفين في الحياة.
لا أحد سيجيب على هذه الأسئلة وإلا تحولنا إلى كارثة من الصدق لا يمكن أن تقبلها أخلاقياتنا.
شخصيات الكترونية
عادل حوشان4 دقائق للقراءة

حجم الخط
