لأن الدين الحنيف كله مسؤولية فردية، وكلنا فيه راعٍ ولسنا «رعية»، وسنحاسب فرداً فرداً، لا جماعةً جماعة {لقد أحصاهم وعدَّهم عدّا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا}؛ ولهذا قال سيد الخلق صلى الله عليه وسلم: «يا فاطمة بنت محمد عليكِ نفسَكِ فإني لا أغني عنك من الله شيئاً»!!
بناءً على هذا المبدأ كان العلم بالشرع (الفقه) مسؤوليةً فردية أيضاً؛ حيث كان المتعلِّم يفني عمره ليكون (أبا حنيفة) أو (مالكاً) أو (الشافعي) أو (أحمد)! ولم يسعَ واحدٌ منهم لمنصب دنيوي؛ بل إن (الأول) مات في السجن؛ لأنه رفض استلام (وزارة العدل) لأبي جعفر المنصور! و(الثاني) رفض أن يوحد (المنصورُ ما غيره) الأمةَ على كتابه (الموطَّأ)؛ لأن ذلك سيعطِّل فريضة الاجتهاد الفردي؛ فحُمل على حمارٍ وضُربَ في الأسواق بتهمٍ ملفَّقة! و(الرابع) ظل يُحبس ويجلد ويكفَّر (15) عاماً؛ لأن رأيه (الشرعي) خالف رأي الخليفة «المأمون» وأصحاب السلطة من «المعتزلة»!
وظلت الأمة الإسلامية على مبدأ المسؤولية الفردية للاجتهاد؛ حتى جاء الوزير السلجوقي المعروف بـ(نظام الملك)، في القرن الهجري الخامس، فأسس المدارس المعروفة بـ(النظامية) نسبةً إليه، وهي مدارس (دينية) تسير على قاعدة (العلم ما قال الله ما قال رسوله) وتحرِّم الرياضيات والفيزياء وغيرهما، وما زال هذا التوجه (النظامي) هو المعمول به (فِيذا) منذ «اختطف التعليم»!!
في تلك المدارس وحولها برز ثلاثة من مشاهير العالم الإسلامي: الشاعر «عمر الخيام»، و»حسن الصباح» (زعيم المتطرفين المعروفين بفرقة «الحشَّاشين»؛ لاستخدامهم «الخشخاش» في التمويل والتجنيد!!!)، والفيلسوف العظيم (أبو حامد الغزالي)، الذي ظلَّ أكبر معلِّميها زمناً طويلاً، حتى قدحت في عقله شرارة «الشك»، فتركها وهام على وجهه (15) عاماً بحثاً عن الحقيقة؛ فأنجز أشهر كتبه في الفلسفة، وختمها بكتابه الفقهي الشافعي (إحياء علوم الدين) الذي انتهى به صوفياً خالصاً، لكن ذلك لم يكن ليقلل من منجزه الفكري لو بقيت الأمة على مبدئها الأول في المسؤولية الفردية، وتفهمت أن (الصوفية) خيار (شخصي) «لأبي حامد» العابد، والفلسفة خيار (المبدع والمفكر) فيه، وقد ذهب (الشخص) فلماذا نلحق به (المبدع) ظلماً وإجحافاً؟
يادي (الشخصنة) من جديد!!
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
