الهوية العربية قلقة جدا، لأنها لا تعترف بخصوصياتها الثقافية التي تشكلت منها. انغلاقُ الهوية على ذاتها هو قتل ضمني لها، وقتل للتنوع أيضا الذي ينشأ في أفق ثقافة عربية لها تاريخ طويل ومتنوع. مثلي مثل الكثيرين من أبناء جيلي، لم أعرف إلا عندما كبرت قليلا أن ابن سيناء والأصفهاني والغزالي وابن ميمون وغيرهم لم يكونوا عربا، لكنهم أثروا الثقافة العربية التي أنجزوا بها ذخائرهم الفلسفية والعلمية. العروبة لم تكن تعني عرقا، ولكنها تعني ثقافة اتسعت حتى احتوت كل العلوم والممارسات الثقافية والإنسانية.
في الحيز الثقافي العربي نشأ الهندي والفارسي والكردي والأرمني والشركسي والأمازيغي، والمسلم والمسيحي واليهودي، وكان دائما مكملا ثقافيا، لكن النظرات الضيقة أقصت في السنوات الأخيرة هذا التعدد الذي كان غنيا، ليتحول إلى شيء من التفقير والجفاف، فتمّ إفراغ الهوية العربية من هذه الألوان وطردها، مع أن الهوية متعدّدة لا تعترف بالأحادية مكونا ثقافيا وحضاريا يندرج ضمن العناصر المحلية والإنسانية المشكلة له بوصفها أفقا يتخطى اللحظة الراهنة والحدود ويمتد بعيدا حيث الإنسان وحقه في أن يعيش داخل نظام عام له خصوصيته الثقافية والفنية. حتى عندما تتم عملية الإقصاء، فالكائن يعيشها في أعراسه وصلواته وأطعمته وموسيقاه وحتى لغته.
نحن داخل منظومة إنسانية متشابكة لا يمكننا أن ننفصل عنها، تمس الآخرين كما تمسنا، ونحتاج عربيا إلى أن نفهمها قبل أن نتعرض للجبر في عالم غير عادل ومتغطرس. العودة إلى هذه العناصر الثقافية البنيوية والحيوية، هي محاولة لملامسة هوية متعددة في جوهرها، منعتها الرؤية السياسية الضيقة من التجلي والتطور وكأنها ثقافة قادمة من كوكب آخر، بينما هي نشأت وكبرت في صلب المجتمع العربي. هذا التشكيل المتعدد إذا لم يجد نفسه في التعريفات الهوياتية الوطنية العربية، خارج العرقية المقيتة، سيبحث حتما عن غيرها بوسائط غير سلمية دائما.
[email protected]