تاهت بوصلاتهم عن الطريق، وذابت الاتجاهات في أنظارهم، يميزون بين اليمين والشمال، لكنهم يجهلون المكان، آخر ما خطر ببالهم حصوات يرجمون بها شاخص الشيطان في الجمرات، لما باتوا بمزدلفة، أخذتهم مراكب النوم إلى ساعات متأخرة من النهار، لم يجدوا حولهم أحدا، ارتبكوا وراحوا يجتهدون في رمي خطاهم، كلهم أخطؤوا المسير نحو عرفات التي كانوا بها قبل ساعات.
كبر سن، وجهل باللغة العربية، حال دون معرفة أي الجهات يسلكون نحو الجمرات علهم يدركون مناسك حجهم، العربي الوحيد بين من التقتهم «مكة» الحاج حسين، يبدو عليه التعب والإرهاق، بإزار واحد يستر عورته، حافي القدمين تتهادى خطاه بغير هدى، لا يعرف أي سؤال يسأل، أو بالأحرى أي المناسك يترتب عليه الساعة، سألنا أي الاتجاهات يؤدي إلى عرفات، ولما بدا الجهل عليه سألناه هل رميت الجمرات، قال لا، فأجبناه أنه يسير في الاتجاه المعاكس تماما لها، وأخبرناه أننا سنجلب له المساعدة، ولما عدنا إليه كان غادر المكان.
في مزدلفة كان الشقيقان الباكستانيان كما تبين من علم بلدهما على حقائبهما الصغيرة، يجدان في المسير رغم كبر سنهما، ويستظلان بمظلة واحدة، لا يتحدثان العربية أبدا، وبالإشارة فهمنا أنهما يرغبان في الوصول إلى الجمرات.
داخل حدود عرفات التقينا بحاج من النيجر، كان فرحا بوصوله إلى مسجد نمرة معتقدا وصوله إلى الجمرات أو أي مكان مأهول بالحجيج يستطيع مرافقتهم، وحالت اللغة بيننا وبينه سوى أن أشرنا إليه نحو الاتجاه الصحيح حتى سلكه.
وكما كانت اللغة حاجزا بيننا وبين التائهين من النيجر والباكستان، كذلك حالت دوننا وإرشاد تائهين من إثيوبيا، وتركيا، ولم نجد وسيلة لإرشادهم والتوضيح لهم سوى الإشارة نحو الاتجاه الصحيح، ولكن هل يستطيعون الوصول وتأدية مناسك حج طالما حلموا بتأديتها.