جاء الحجيج من كل فج عميق، وعند وصولهم تبارى رجال الأمن في خدمتهم، مهمتهم في إجمالها، حراسة الحج وتسهيل مناسكه، وفي تفاصيلها تمتزج رسمية المهمة بإنسانية الرحلة الروحانية، رجل الأمن هو ذلك الإنسان، حارس نسك ومرشد وفاعل خير وعين ساهرة على كل صغيرة وكبيرة، حزم لا ينفك عن اللين، وابتسامة رضا على شرف خدمة الحاج.
ذلك الشرطي يتفصد جبينه عرقا، لم تطلب مساعدته بعد، استشعر الموقف، لكنه لم يستغرق سوى لحظات، سلم موقعه لزميل آخر، شمر عن ساعديه وراح يدفع عربة تلك المسنة العاجزة لمسافة تزيد عن 3 كلم معظمها صعودا عسيرا على المسير، وكلما تنفست العجوز راحة بالجلوس، تزداد ابتسامته بياضا، لم تنثن له ساق حتى أتم المهمة، وأوصلها وزاد بالتأكد من راحتها بوجود أقاربها، مشددا على توفير حاجتها، والمحصلة أن العجوز دعت له مرددا خلفها اللهم آمين، اللهم آمين.
شرف الخدمةبنفس الزي الرسمي، بقامة ممشوقة يحمل على كتفه صندوق مياه مبردة يوزعها يمنة ويسرة، وقبل أن يتزود بغيره، تمتد ذراعه الأخرى مشيرة لحاج تائه ذاك هو الطريق، لم يتيقن التائه من وجهته، اختلفت عليه الطرق وتشابهت الاتجاهات، طمأنه بقارورة مياه بردت عليه حرارة الشمس، طلب منه البقاء قريبا منه، وسار برفقته حتى أوصله إلى مخيمه في منى، ولم يعد خالي الوفاض، فوزع ما بحوزته من المياه على رفاق الحاج التائه في المخيم، وعاد مسرعا نحو صناديق مياه تنتظر التوزيع، وحجاج ينتظرون المساعدة، فخدمة الحجاج شرف.


سلامة الحاج

على مدخل منى ذلك الشرطي أوقف دراجة نارية، مخالفة لا سجلات لها وقائدها يستغل حاجة حاج وتعبه، ينقله مسافة لا تتجاوز 200 متر بـ150 ريالا أوقف الاستغلال والمخالفة، حرص على إركاب الحاج مع سيارة مصرحة توصله بمبلغ لا يتجاوز الـ10 ريالات، وصادر الدراجة المخالفة منعا لاستغلال حجاج آخرين، ومخالفة قوانين سنت لراحة وسلامة ضيوف الرحمن الراجلين، مؤكدا أن سلامة الحاج والحفاظ على حقوقه هي الهدف الأسمى.


إنقاذ عالقين

في طريق شديدة الوعورة صعودا نحو قمة جبل في منى، حفاظا على أرواح الحجاج ولا غير، غامر الضابط المستلم في الموقع بحياته، وراح يتسلق ذات الطريق الوعرة التي خشي منها على سلامة غيره، وصل إلى الحجاج العالقين في موقع خطر من الجبل، طمأنهم بوصول المساعدة على الفور، ولم تمض دقائق معدودة، حتى وصلت فرق إنقاذ الدفاع المدني مدعمة بأحدث الوسائل، وبالفعل كانت لحظات فرح انتشى فيها الضابط، وهو يرى الحجاج ينزلون قبله واحدا تلو الآخر، كان الأخير الذي غادر مكانه، ولم تطأ قدماه الأرض، حتى واصل العمل مطمئنا على سلامة الحجاج وصحتهم، قبل أن يرشدهم إلى المواقع الأكثر أمنا وخدمات لهم في منى، فإنقاذ الأرواح عمل جليل.