في كل عام يحرص عدد من المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها على التوافد على الأراضي المقدسة من أجل أداء فريضة الحج، ومع تعاقب السنين تزايدت هذه الأعداد شيئا فشيئا حتى تجاوزت حاجز المليون، وكل ذلك في وقت واحد وفي مساحة أقل استيعابية، وظهر ما يعرف بمصطلح الزحام في الحج الذي رمى بظلاله على الجهات المسؤولة عن تنظيم الحج لتبذل المزيد من الجهد في وضع الخطط والتنظيمات لاحتواء الطاقة البشرية المتزايدة وإبعادهم عن الآثار السلبية المترتبة على الزحام في ظل الدعم المستمر من حكومة المملكة التي تسعى إلى حماية الحجاج وتقديم أرقى الخدمات لهم.
التفويج قضى على زحام الجمرات
- مصطلح الزحام لو أردنا أن نبحث ونحدد الوقت الذي أوجده لقلنا إنه في العشرين سنة الماضية، حيث بدأ في الظهور وعرفه الكثير خلال الزيادة العددية التي يشهدها موسم الحج من خلال الأعوام الماضية حتى وقتنا الحاضر، ومع التطور الذي شهده العالم في كل المجالات وخاصة المواصلات وارتفاع مستويات المعيشة ارتفعت الأعداد بشكل كبير.ولو أخذنا على سبيل المثال توجه الحجاج إلى رمي الجمرات نجد أنهم في ذلك الوقت يتجهون كلهم في وقت واحد، فإذا فرغوا من الجمرات توجهوا أيضا كلهم إلى الحرم، ولكن هذا الأمر تطو بعد إنشاء جسر الجمرات حيث نجد العملية أكثر تنظيما ودقة، وبات ما يعرف باسم التفويج بطريقة حديثة ومبتكرة وسلسة يستوعب الكثيرين من الحجاج الذين يشكلون العنصر الرئيسي للزحام.أيضا هناك مثال آخر على التنظيم الذي صاحب الزحام، حيث كان مشعر منى يضم فيما سبق عددا من المنازل والأبنية الموجودة التي كانت في ذلك الوقت ليس لها التأثير المباشر على الحجاج، حيث كانت أعدادهم في الماضي ليست بالشيء الكثير فبقيت مكانها حتى بدأت الأعداد في الزيادة وظهر مصطلح الزحام والذي اقتضى إزالة هذه المباني، حيث أصبحت تتسبب في ضيق المساحة وبالتالي تؤدي إلى الزحام في تلك المناطق فاقتضت المصلحة إزالتها بالكامل، فلذلك نرى الخطط تصاحب هذا الزحام وبالتالي يتطور الأداء من عام إلى آخر.ونلاحظ أن كل الدوائر الحكومية المعنية بخدمة ضيوف الرحمن تعمل وفق تكامل من أجل تقديم أرقى الخدمات للحجيج، وأمانة العاصمة المقدسة تنسق بشكل مستمر مع الأمن العام في التدخل بأعمال النظافة في المناطق التي يكون فيها حاجة لنا في أوقات معينة، لذلك نعمل بشكل مستمر في رفع المخلفات أولا بأول من أجل ضمان النظافة المستمرة في المشاعر المقدسة، كما أن هناك مندوبا من الأمانة في غرفة عمليات الجمرات تكمن مهام عمله في تلقي الملاحظات ومتابعتها.
المهندس وديع خياط مدير إدارة الحج والمواسم بأمانة العاصمة المقدسة
الصعوبات صنعت الأفكار
- لو نظرنا إلى ما قبل عام 1403 وذلك قبل إنشاء جسر الجمرات حيث كانت في وسط منى، لرأينا تزاحما في الرمي، لأنه لم يكن هناك دور ثان يساعد على تقليص الحجاج في الدور الأرضي، ومع هذا كان الزحام لا يصل إلى حد الخوف والخطر على الحجيج، ومع تزايد الأعداد من سنة إلى أخرى وخاصة في السنوات العشر الأخيرة احتاج الأمر إلى تنظيم، ولذلك تم بناء جسر الجمرات بشكله الحالي لتفكيك الكتل البشرية وتفتيتها من كل الجهات بأدواره المتعددة وأصبح الرمي متوازنا.وظهرت الحاجة إلى وجود تفويج الحجاج من المخيمات إلى جسر الجمرات، لأنهم في الماضي كانوا يفوجون أنفسهم بأنفسهم في الوقت الذي يرغبون، ومع الزيادات العددية ونشوء الزحام ظهرت المخيمات الحديثة التي تستوعب أعدادا كبيرة بشكل منظم وحديث، فلذلك تتوالى الأفكار والتنظيمات مع مرور السنوات وارتفاع أعداد الحجيج ليكتسب الكثير من الجهات الحكومية المزيد من الخبرات في مجال تنظيم الزحام.ولا ننسى تصعيد الحجاج والنفرة، فهي من أهم المراحل في أيام الحج، حيث تعمل قرابة تسع جهات حكومية ضمن منظومة متكاملة لتفويج الحجاج بشكل سلس وميسر بعيد عن الآثار السلبية للزحام.
الدكتور حاتم قاضي المتحدث الإعلامي باسم وزارة الحج
النقل الترددي ونقاط الفرز حدا من الزحام
- تعود نشأة الزحام سواء البشري أو الآلي إلى سنوات مضت بسبب عوامل أهمام الحج المتكرر للمتخلفين، وكذلك البعض من المواطنين الذين يكررون الحج في كل عام هم وأسرهم ليزاحموا الحجاج الذين يؤدون الفريضة لأول مرة، إضافة إلى الزحام الموجود عند الجمرات، حيث كان الكثير من الحجاج يقبعون في هذه المنطقة حتى تدخل عدد من الجهات، وعلى رأسها معهد أبحاث الحج ونُظفت المنطقة، الأمر الذي دفع هؤلاء الحجاج للتوجه إلى منطقة أخرى ألا وهي الربوة، حيث بدأ الزحام هناك وكان لبعض مؤسسات الطوافة الدور في تفكيك الزحام في هذه المنطقة كل بطريقته.وساهمت إجراءات عدد من الجهات الحكومية في الحد من الزحام وما يترتب عليه من آثار سلبية خطيرة في بعض الأوقات، ومن هذه التدابير نقاط الفرز على مداخل العاصمة المقدسة التي قللت من دخول المركبات، حيث عانى الكثير في أوقات المواسم من تدفق السيارات، لأن كثيرا من السائقين من مختلف مناطق المملكة يأتون في الموسم إلى مكة من أجل العمل فيها، إضافة إلى أن نقاط الفرز حدت من دخول الحجاج المخالفين الذين لا يحملون تصاريح الحج.كما أننا لا ننسى إدخال منظومة الحج الترددي الذي ساهم في تقليل الحافلات داخل المشاعر المقدسة، حيث كانت مؤسسة تركيا لها السبق في تطبيق النقل الترددي فتبعتها بعد ذلك جنوب شرق آسيا ومن ثم أفريقيا ومؤسسة إيران، وكل هذه التدابير كان لها الأثر الإيجابي في دفع عملية التطور في التعامل مع موسم الحج وتفكيك الزحام.
الدكتور عبدالرحمن مارية نائب رئيس مؤسسة دول أفريقيا غير العربية
الوعي والمشاريع خففا التكتلات
- المملكة أفضل دولة تدير الزحام، لأنها تنتقل من عام إلى آخر وتكتسب الخبرات وتضيف الكثير حتى وصلنا لأرقى الخدمات، فقبل عشرات السنين كان الناس لا يستطيعون الوصول إلى مزدلفة بسبب الزحام والتكدس، كما أن الدفاع المدني لا يستطيع في مرحلة من المراحل الوصول إلى موقع حريق بسبب هذا الزحام.الآن استطاعت المملكة بأفكار رائعة أن تعمل تنظيما راقيا يساعد الحجاج في تسيير الحركة في الدخول والخروج.هناك أخطاء ترتكب منا نحن المضيفين في داخل المشاعر وتحتاج إلى جهود تتمثل في تثقيف الناس وزيادة الوعي عندهم في التعامل مع الزحام سواء أكان مرتبطا بزمان أو مكان.ومن الأخلاقيات التي لا بد من المسلم الاتصاف بها أن يتيح المجال لمن لم يؤد حجة الفريضة، لأن بعض حجاج التطوع يتسببون في الزحام، إضافة إلى أنه ينبغي علينا مشاركة الحكومة في التنظيم، حيث إنها خففت أعداد الحجيج هذا العام من أجل المشاريع التوسعية التي تشهدها مكة المكرمة، والوعي يساهم بشكل كبير في العملية التنظيمية للحج.ولا ننسى أن الحكومة تقدم في كل عام منظومة من الخدمات والمشاريع التي تيسر للحجاج وتفك الزحام عنهم، فمشروع جسر الجمرات العملاق شاهد على هذا التطور ودليل على القراءة الصحيحة لاحتياجات ضيوف الرحمن.وهناك بعض المقترحات التي تساهم في تفادي الزحام، من بينها جعل المراكز الحكومية قريبة من الحجاج، وذلك لضمان عدم استخدام السيارات والآليات التي تسبب في كثير من الأوقات الزحام إضافة إلى التواجد المكثف في جميع أنحاء المشاعر وخاصة المداخل والمخارج لتفتيت الكتل البشرية في حالة تكدسها.
الدكتور خميس الغامدي باحث وعضو هيئة التحقيق والادعاء العام

