حدثتكم عن «هارمونيكا» سوق العرب.. يوم كان الحج بالنسبة لنا نحن الصغار حدثا مبهجا لا ترقى إلى ذائقتنا به أي احتفالية أو أي مهرجان.. شاهدت تجمعات بشرية ببلاد الله الواسعة، فيها كل ألوان البهجة والفرح والعجائب والغرائب، لكن ظلت مشاهد طفولتي في الحج مطبوعة ومحبرة وغير قابلة للحذف.. ليست كلها ودودة، مشاعر في الرغبة في كل شيء.. شقاوة صغار خفيفة وضحكات طائشة يفجرها عقلنا الصغير يعتني بتفاصيلها الدقيقة.
لا تقل لي أين الوقار؟ أين هيبة الزمان والمكان؟ سأقول لك ببساطة إن كل هذا الذي تعظني به وترشدني إليه كان موجودًا في وجداننا وأحاسيسنا بعمق وفطرة، لم تغادرنا بعد كما غادرت بعض الكبار.
مغروس فينا الإيمان.. في مادة تكويننا التي لم تتلوث بعد.. ولم تتغيّر بعد.. ولم تهو بها الشهوات وجموحها المعربد.. هي ليست أوامر ونواهي وإنما هي نقاء وصفاء وشفافية عمي بعض الكبار عنها.
كان قيظا قاسيًا، سمومًا تعرفه المشاعر في أزمنة الحر، ولم يكن في تلك الأيام هذا الرذاذ الذي ينبعث من المضخات المنتشرة في كل الطرقات التي يسلكها الحجاج. ذابت قطع قوالب الثلج فوق رؤوسنا وبللت (الأحاريم).. تكييف مركزي يحسدنا عليه الحجاج.. لم يبق من الثلج إلا قطعًا صغيرة.. سيقوم غيرنا من الراشدين برحلة البحث عن الثلج، أما نحن فسنستلقي بتكييفنا المركزي حتى قبل زمن «الفريون»!
لا تلمنا نحن الصغار إن غمرنا إعصار الضحك ونحن نرى في ازدحام الجمرات حاجا سقط إزاره ولم يستطع أن يلتقطه حتى لا تدوسه أقدام المتدافعين.. كان الكبار يقذفونه بأحاريمهم: «أستر نفسك يا حاج». أما لسان المخلوس فيقول، وقد أصبح ربِّ كما خلقتني: «انج سعد فقد هلك سعيد»!