في منظر بهيج يملأ سماء المسلمين فرحاً وطرباً، يخرج مئات الملايين من المسلمين ليكبروا في الطرقات والمساجد معلنين ابتهاجهم بيوم العيد الأكبر فيوم عيد الأضحى على الصحيح من أقوال العلماء هو المقصود بقوله تعالى “وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر”، ففي هذا اليوم غالب مناسك الحاج من الذبح والرمي والطواف الحلق وغيرها من الأعمال وهو يوم تجتمع فيه الأمة الإسلامية فلا اختلاف في تحديده غالباً بل الناس فيه تبع للحاج وهذا على خلاف عيد الفطر الذي تختلف فيه الدول سنوياً بين مقدم له ومؤخر.
يتميز هذا العيد بمظهر عظيم تتجلى فيه صورة من الشعائر التعبدية وهي النحر، والذبح عبادة عظيمة لا يجوز صرفها لغير الله، ولم يزل المسلمون يترقبون هذا اليوم ليجاهروا بتلك العبادة وهم يرددون بصوت مرتفع بسم الله والله وأكبر اللهم إني نويت هذه عني وعن أهل بيتي، ومنذ مئات السنين لا زالت المدن الكبرى والأرياف يبتهجون بشراء الأضاحي ويفتخرون بشراء أسمنها وأفضلها، ويتباهون بوضعها أمام دورهم لبضعة أيام إعلاناً بهذه الشعيرة العظيمة ويتجلى الاستعداد لهذه الشعيرة في مظاهر فمنها أن ملايين المسلمين قبل العيد بعشرة أيام يتوقفون عن أخذ شيء من أظفارهم أو شعورهم عملاً بحديث النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وكأنهم يقتدون بالحجاج في ذلك.
وفي هذا العيد العظيم لا زالت بيوت المسلمين تتذكر تلك اللحظات الجميلة التي يبدأ فيه الناس باختيار الذبائح فيتذكرون الأحاديث التي تضع لهم المعايير المقبولة للذبيحة، فلا تجزي العرجاء ولا المريضة والعجفاء ويعرفون السن المقبول شرعاً فيجزئ من الضأن ما له نصف سنة ومن المعز ما له سنة ومن البقر ما له سنتان ومن الإبل ما له خمس سنين، وعند الذبح تبدأ الوصية بأن تكون السكين حادة
ولا يعذب الذبيحة بل يحسن الذبح وهي وصايا تجعل المؤمن يحرص أشد الحرص على الكمال والتمام، وبعد الذبح يبدأ المسلم في تقسيم اللحم فيهدي أقاربه ويتصدق ببعضه ويترك شيئاً لأهله، وهكذا نجد حلقة مترابطة من التراحم فهناك تواصل للمحبة والقرابة والصداقة وهناك تواصل للرحمة والعطف والتكاتف وهناك اهتمام بشؤون الأسرة والأهل وهي معان سامية يغرسها الإسلام في قلوب أتباعه.
ويسن التوسعة على الأهل والأبناء يوم العيد وإظهار الفرح والسرور بهذا العيد، ولم تزل أمم الأرض تفاخر بأعيادها وتنشر صور الفرح والبهجة وتجعله موسما لنسيان الأحزان والجروح وجمع الكلمة وصفاء القلوب، وإذا كانت الجهات الرسمية تتحمل جزءا كبيراً من واجبات هذا الإعلان عبر وسائلها المختلفة وإمكاناتها فإن الأهالي يلزمهم ذلك أيضاً، فيجب أن يتكاتف أهل المسجد الواحد والحي الواحد والمدينة والقرية وأبناء وشيوخ القبائل والعشائر على إظهار الفرح بهذا العيد، وتجاهل ذلك خطأ فاحش لا يليق بأمة الإسلام، فقد كان المسجد النبوي يشهد أنواعاً من الاحتفالات بحضور النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث لعب الأحباش بالحراب في المسجد النبوي يوم العيد، ومما يميز الأمم أعيادها كما تميزها عباداتها، وقد قال صلى الله عليه وسلم “إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا”، فالواجب هو إظهار التميز الديني وإظهار الفرح وهذا المعنى يؤدي لإبراز حياة الأمة وقوتها أمام خصومها وأعدائها، وقد أمر النبي صلى الله عليه وفي الحج بالإسراع في المشي إذا حاذوا قريشاً حتى لا يظنوا أن المسلمين ضعفاء أو أنهكهم المرض.
ومما يجدر التنبيه عليه هو انتشار ظاهرة نقل الأضاحي لخارج البلد ودفع مبالغ مالية يسيرة لبعض المتبرعين الذين يذبحون في الدول الفقيرة أو المنكوبة، وهي مسالة خلافية مشهورة وقد أفتى العلامة محمد بن عثيمين (رحمه الله) ببطلان هذا العمل لما يؤدي إليه من إماتة هذه الشعيرة ودعوة الناس للتكاسل فيها وتسليمها للغير الذي ربما يخلف وعده أو يصرفه صارف وأيضاً اصبح المؤمن لا يشعر هو وأهل بيته بمعنى الذبح لله واستشعار هذه العبادة الخالصة، وبعيداً عن العواطف، فإن الصدقات والتبرعات لها باب عظيم ورغب فيها الإسلام ولكن باب الأضاحي قضية شرعية ومنسك ينبغي عدم التساهل فيه.
العيد الأكبر والناس
خضر بن سند3 دقائق للقراءة

حجم الخط
