طلبتُ منها ألا تضَعَ الثُّوم في المُلوخيّة فما كانَ منها إلا أن تعجّبت ورفضت فهيَ لا تعرفها من غير ثوم، مع أنّ أُمّي كانتْ تُجيدُ تحضيرَها بثومٍ ومن غيرِ ثوم فزادَ عجَبُها وضاعَتْ محاولات إقناعَها أدراجَ الرّياح وخَتَمَتْ حديثَها بأنّها هكذا تعلَّمتْها، فقلت اصنعيها من غير ثوم فلن يحصل انفجار.
وسمعتُ من أبي أن شابّاً رغِبَ في الزواج فأخذَ يُملي على أبيه قائمة طويلة من طلَبات إقامة وليمة العرس والأبُ يكتبُ ويسمَع ولمّا انتهى قال لابنه وهو يقرأُ من تلك القائمة: ماذا سيحصُل يا ولدي إذا لم نشتر كذا؟ فيجيب الابن بأنّها فضيحة، فيأمرهُ الأب أن يسجّلَ فضيحة في الورقة، وهكذا حتى قضى على ثلاثة أرباع الطلبات وتجمّعت أكثرُ من عشرين فضيحة فقالَ الأب سجّلْها فضائح على أبيك وسأقيمُ العرس بدونها فلن يحصل انفجار.
وقلتُ لطالبٍ كنتُ أدرّسُه القرآن الكريم لِمَ لا تَحفظ بطريقة الكتابة؟ فاستغرَبَ من اقتراحي وقالَ: كيفَ أكتبُ القرآن؟ فأجبتُه: اكتبْهُ فلنْ يحصُلَ انفجار، فضحكَ الطالبُ وبدأ يكتبُ ما يحفظه من القرآن في طريقةٍ للتسميع ذاتيّة تجعلُ الذهن يستذكرُ ما كتبَ ويُتقِنُ حفظَ ما أخطأ فيه وبحمد الله تعالى لم يحصل انفجارٌ في الورق ولا في ذهن الطالب ولا في المدرسة.
مُشكلةُ كثيرٍ منّا أنّه رسَمَ لنفسه ومن يعولُ مستطيلاً وحبَسَ فيه الفهمَ والتفكير والطّموح وأقسمَ لهؤلاء الثلاثة بأنه لا يُريهم إلا ما يرى فلا مجالَ للخروج ولا مناصَ من الاستسلام، فكلّ جديدٍ خرقٌ للعادات وكُلّ مستحدثٍ هو من نتاج غزوٍ فكريّ وكلُّ فكرة مُصادرَةٌ لأنّها من صغيرٍ لم يجرّب وكلّ ثائرٍ أحمق وكلّ مُناهضٍ عاصٍ وكلّ مُخترعٍ ساحر.
هناكَ خوفٌ من استكشافِ الأخطاء ومحاولة إصلاحها ذاتيّاً واستخفافٌ بقدرة الإنسان أنه يستطيعُ الوصول للحقيقة دونَ مُعلّمٍ يفرِضُ رأيه قَسْراً موهماً من يعلّمهم بأن الخطأ يحصل منه انفجار. مع أن الواقع يثبت أنّ الخطأ يقودُ للصحيح والفشَلَ مفتاحُ التألّق فلو انفجرنا لعدَوْنا فسبَقْنا ظِلّنا.
مُتأكّدٌ أنا أنّ للمولخيّة طعما آخر من غير ثوم، ومتيقّنٌ أنا أنّ لمنزلي طريقا أخرى توصلُ إليه غيرَ تلك التي أعرفُها، ومؤمنٌ أنا بأنّ ربي قال: وفَوقَ كُلِّ ذي عِلمٍ عليمٌ.