اليوم العيد، فكل عام وأنتم بخير، وحجا مبرورا وسعيا مشكورا لضيوف الرحمن.
وهذا العيد يختلف وصفه بين بلد إسلامي وآخر، فنحن غالبا نسميه (عيد النحر)، وإخواننا في مصر وبعض البلدان يعتبرونه (العيد الأكبر)، وهو عموما (عيد الأضحية) أو (عيد اللحمة) وقد كانت له منذ عقود، ونحن أطفال فرحة كبرى للكبار والصغار، لأن (اللحم) وجبة عزيزة ونادرة، وأتذكر أن لحمة (النحر) كانت توزعها الأسر أقساما صغيرة، وتنظم كل قسم في خيط من الخوص وكنا نسميها (الطفية) ثم يتم تمليح ذلك اللحم (ملح) وتعليقه على حبل في داخل البيت، ليستمر استهلاكه شهرا أو أكثر، وينال منه العائدون من الحج، أو العاملون فيه نصيبهم لبضعة أيام بعد عودتهم، وأحيانا يتم (قصله) بحيث يقطع اللحم الخالي من العظام إلى قطع صغيرة، ثم يقلى في الشحم، ثم يجمد، ليستمر استهلاكه ستة أشهر أو سنة أحيانا، دون برادة ولا ثلاجة.
وللأضحية طرائفها ومواقفها المضحكة، وتاريخنا الأدبي حافل بذلك نثرا وشعرا، ولكل من أراد، فالسيد الكبير (قوقل) يسعفه بالكثير منها، لكني أتذكر طرائف من منطقتنا وقريتنا في الباحة عندما كنت طفلا، وكان (عيد النحر) لا يحضره إلا النساء والأطفال وقلة نادرة من الرجال كبار السن، ولضيق ذات اليد لا أتذكر أن أحدا كان يضحي بـ(خروف) حيث (الثيران أو الأبقار) هي المفضلة، لوفرة لحمها ورخص سعرها، وهذا (الثور أو البقرة) يشترى قبل العيد بأسابيع، ويبقى يتنقل بين بيوت السبعة المشتركين فيه ليعلفوه ويسقوه، وفي إحدى السنوات، وأثناء رحلة (الثور) من بيت لآخر هاج وماج، وانطلق بسرعة فائقة، ليقطع الوادي إلى قرية مجاورة، فخرج أهلها يردونه ليعود مسرعا فـ(ينطح) أحد الشياب من قريتنا، ويكسر رجله، فما كان من إحدى النساء إلا أن حملت (البندقية الشوزن) وأطلقت عدة طلقات لتردي (الثور) شبه قتيل، فسعى إليه بقية الشيبان وذبحوه، وتم توزيعه (صدقة) على أهل القرية، وسط بكاء وعويل نساء البيوت السبعة الذين اشتركوا فيه، ولا يستطيعون شراء غيره، فأفتى أحد الكبار للبقية بضرورة تصدق ثلث أنصبتهم من (النحر) لهؤلاء السبعة المنكوبين في (ثورهم)، فحصل كل منهم أضعاف نصيبه فيما لو (عاش الثور) حتى يوم (النحر).
ومرة عيدت في (مصر) فرأيت العجول تذبح في الشوارع وتوزع على الناس مجانا، وعرفت أنها عادة يفعلها القادرون حتى لا يبقى أحد دون لحمة، لكن عجلا فر من بين يدي الجزارين فأصاب نحو عشرة من المارة قبل أن يقبضوا عليه ويذبحوه، وفي العام الماضي قرأت أن عددا من العجول والأبقار (الأضاحي) في غزة هاجت فأصابت نحو مائتين، وقتلت اثنين، وأحد أصدقائي. في جدة منذ أعوام قليلة اشترى (خروفا) غاليا سمينا، وبينما كان يدخله إلى حوش منزله ليريه الأطفال، قفز الخروف إلى الشارع وانطلق ولم يجده حتى الآن.
وطرائف الأضاحي لا تنتهي، لكن هناك من لا يزال يقترض لكي يضحي بينما لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، لكن (الأضحية) في أذهان كثيرين ما زالت عادة وليست عبادة، والعادات ارتقت في أمور كثيرة في موضع قداسة العبادات المفروضة أو السنن التي بعضها لم يثبت، أو فيها خلاف واسع، مثل ترك الشعر والظفر خلال أيام العشر لمن أراد أن يضحي، بل إن بعضهم أضاف منع التطيب وسقوط الشعر بسبب الاستحمام أو نحوه، بينما النظافة أولى وأهم.