كلما أظلنا موسم الحج آخذ نفسي بقراءة جمهرة من كتب الرحلات الحجازية، فأجد فيها لذة ومتاعا، وكأنني أرافق الحاج الرحالة في سفره، أعبر معه البحر والسهل والجبل، وأجوز الصحراء، وأحس شوقه وحنينه إلى الديار المقدسة، وهو يستحث الخطى إليها، فعسى أن ينجيه الله من مهالك الطريق، فيبلغ مراده، ويتوج رحلته بالحج إلى البيت العتيق.
كتبت في أدب الرحلة إلى الحج عشرات الرحلات، وعبرت كل رحلة عن صاحبها، وأظهرت جوانب من الشوق والتوق أفصحت عنها كلماتها، وانطوت صفحاتها على قدر وافر عن أحوال ديار المسلمين، ما عرفناها لولا الرحلة إلى الحج، وعرّفتنا هذه الشعيرة ملامح أمة يتصل مشرقها ومغربها وشمالها وجنوبها بوشائج واحدة غائرة جذورها، لا يحسها إلا الحاج إلى البيت العتيق.
وربما كشفت لنا تلك النصوص الثرية في أدب الرحلة الحجازية معالم أمة كانت على حظ كبير من المعرفة والثقافة، واستبان لنا أن الطريق إلى البيت الحرام، مهما كان شاقا صعبا، كان مكابدة في العلم، ومعاناة لبناء ثقافة إسلامية واحدة عرفها علماء الحجاج ومثقفوهم في كل ناحية مرت بها قوافلهم.
وإننا لنقرأ جمهرة من تلك الرحلات وكل ما فيها تراجم للأشياخ، وأمثلة للإجازات، وتبادل للكتب، ومساجلة في مسألة من مسائل الفقه أو الحديث أو اللغة أو الأدب، ونستطيع أن ندخل في أدب الحج وثقافته معاجم الشيوخ وأثباتهم وكتب الفهارس والبرامج، على تنوع أسمائها وأزمانها، وفيها نقف على جانب من التأليف طريف، فيه من الترجمة الشخصية روحها، ومن الرحلة انتقالها من مكان إلى آخر، كما أنها لا تخلو، في وجه من وجوهها، من التعلق بالتاريخ والبلدانيات.
وسواء كان ما نقرؤه كتابا في الرحلة أو ثبتا للشيوخ، فإن الحج هو النص الجامع لذينك الضربين من الكتابة، وربما انفسح للكتابة باب فيهما، فإذا بنا نقرأ في الرحلة تراجم شيوخ وإجازات، ويلوح لنا في أوصال الثبت ما يجعله أدنى رحما إلى كتب الرحلة، وكلا النوعين، مهما اتفقا أو اختلفا، صياغة ممكنة لترجمة العلماء في شأن أنفسهم، بحسب مصطلح القماء، أو السيرة الذاتية بحسب مصلحنا.