ولدوا بين حاراتها، وتشربوا انتماء من تضاريسها العتية بصخورها الفتية، مطوفون حبلت بهم الحارات المعتقة أبا عن جد وامتشقت بهم جبال المشعر، وقادتهم محبتهم وولاؤهم نحو التجذر في الاهتمام بالحاج كثقافة نبعت من المنشأ والولادة في جبالها ومنازلها المبنية من الحجارة والطين..تلك المنازل التي حبلت بطفولتهم وتاريخهم.
مواليد منى ما بين بئر سمير وحارة المقر والبازان المصري ومسجد الخيف والعشرة والكوثر وبركة بن عطاري، أسدلوا في أتون تلك المعالم تاريخا فوق تاريخ، واسترجع المكيون في خضم ذلك الذكريات العبقة التي تداعت لها مقل المحبين، وهم يرون الحجيج يمرون من نفس الحارات التي كانت بالأمس بيوتا لهم ودورا يخرج من بين صمائها رائحة الحطب وموائد المولمين.


وفادة وسقاية

كان لقريش قصب السبق عبر عصور متسلسلة في مسكن منى، والتي تسربلت من خلالها قصص تحكى وروايات لم تفن، تتعبق حكاياها من شمم التاريخ وتتسامى قصصها، إذ كان أبطالها عوائل تنافست على الوفادة والسقاية وإهداء الحجيج مما غلا ثمنه ونفس معدنه، ومن فيئها كان الحجيج يرودون تلك المساكن، وأهلها يبذلون من أجل ذلك الغالي والنفيس في سبيل إطعام الحجيج وإضرام الحطب دفئا ونورا.
علاقة قريش بمنى كانت ولادة وحجا، وحجا وولادة، وما بين هذه وذاك، طافوا بين المشاعر أطفالا، فكانوا كذلك إلى الأبد، على الرغم من خروجهم منها لأسباب تتعلق بتطوير المشعر، إلا أن جيناتهم التاريخية وتعلقهم بحيثيات المكان، لم تتوقف هنيهة عن التواصل مع ندويات وتضاريس المكان فيزيائيا وروحانيا.
أحد أبرز المطوفين الذين أدركوا هذا الشرف، سامي القرشي، صاحب حملة سيف الإسلام، والذي يروي لـ «مكة» كيف أن بطاقات الأحوال المدنية حملت اسم منى وتأطرت بهذه البقعة الجغرافية الضيقة، وكيف استطاعت تلك المنازل في سابق عهد، رغم بساطتها وعتباتها الخشبية أن تكون فنجان القهوة والمأكل والمشرب لجمع الحجيج قبيل الدخول المؤسسي لمنظومة الحج.


مشاريع تطويرية

يقول سامي: «عند جموع المكيين تعتبر خدمة الحجيج شرفا لا يضاهيه شرف، حيث تعاهد المكيون على خدمة الحجيج إكراما وإسكانا وتوعية ودعما حبا وكرامة، ولو استدعى الأمر لأسكنوا الحجاج في منازلهم، واليوم كانت خدمة الحاج هم الحكومة السعودية على توالي ملوكها وقادتها منذ عهد المؤسس وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وستبقى هما متوارثا يرخص له الغالي والنفيس.
واليوم نشهد حزمة مشاريع تطويرية لمكة والمشاعر المقدسة، مشكلة قفزة حضارية هائلة.


قرب الماء

عبدالله القرشي، مطوف ورجل أعمال يحكي «صور عديدة تمر أمام عيني وأنا أشاهد ضيوف الرحمن يتنقلون بين ثنايا مشعر منى..هذا المشعر الذي طالما شهد ملاحم من الرفادة والسقاية للحجاج في وقت كان فيه قيظ الصيف لاهبا، يشوبهم التعب، كنا نسارع إلى سقيهم وإطعامهم بما يتيسر لدينا طمعا وطلبا للأجر من الله في أيامه العظيمة».
ويضيف القرشي في حديث الذكريات « منذ نعومة أظفاري كنت أتشوق لحلول موسم الحج أنا وأقراني لما لهذا الوقت من جاذبية ومشاعر جياشة تنتابنا عندما نهم بمساعدة آبائنا في دفع قرب الماء وإيصالها إلى بطن مشعر منى، ويتحلق من حولنا الحجاج لأخذ نصيبهم من الماء أو من الوجبات التي كانت تعد في منازلنا..أيام جميلة تمر بمخيلتي وأنا أمكث في هذه الأيام في مشعر تغيرت ملامحه وتطورت خدماته في ظل حكومتنا الرشيدة التي لا تألو جهدا في تقديم الغالي والنفيس في خدمة وفد الله».