الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أخيرا إلى تركيا بعد سنوات من القطيعة، تعكس في الظاهر الرغبة التركية العراقية المشتركة في فتح صفحة جديدة من العلاقات عبر تفعيل أعمال مجلس التعاون الاستراتيجي الذي ولد ميتا قبل 6 سنوات، وتحريك الملفات الأمنية والاقتصادية والسياسية المجمدة بسبب سياسات رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي وتصلب حكومة حزب العدالة والتنمية.
لكن التطور الأبرز والذي لا يعرف تفاصيله بعدما كان في إعلان الطرفين عن الرغبة في التعاون العسكري والاستخباراتي والتنسيق في موضوع الحرب على تنظيم داعش والتفاهم على تصدير النفط العراقي إلى الخارج عبر الأراضي التركية بعد التهديدات التي كانت بغداد أطلقتها ضد أنقرة قبل أشهر فقط بسبب التآمر على ثروات العراق ومحاولة تقاسمها مع حكومة إقليم كردستان في أربيل.
ويرى مراقبون أتراك وعراقيون أن خسارة المالكي السياسية أمام العبادي كانت الخطوة الأهم التي فتحت الأبواب أمام قيادات البلدين باتجاه المصالحة التي ترجمتها 3 زيارات متبادلة خلال 3 أشهر فقط وكانت كافية للتمهيد لزيارة العبادي على رأس وفد وزاري رفيع.
لكن هناك من يدعو في الجانبين أيضا لعدم المبالغة في الحديث عن نتائج الزيارة الإيجابية وارتداداتها، لأن فتح صفحة جديدة من العلاقات مرتبط برغبة السلطات السياسية في البلدين، كما أنها مرتبطة أيضا بتداخل كثير من الملفات الأمنية والسياسية الإقليمية ومنها الموقف الإيراني المباشر من تقارب تركي عراقي على حساب طهران التي تعاني من أكثر من أزمة سياسية وتجارية مع تركيا في هذه الآونة.
ويرى الكاتب التركي سامي كوهين أن بغداد تأمل من خلال تحركها هذا تجاه أنقرة أن تغلق صفحة من الخلافات التي عاشها البلدان لكن الحديث يجري عن أهداف وتطلعات أبعد من ذلك بكثير.
العبادي يطرح التنسيق الأمني والاستراتيجي البعيد المدى ويقول إن الانخفاض الذي طرأ على أسعار النفط أخيرا، أثر سلبا على الاقتصاد العراقي، إلا أن إبرام الحكومة العراقية اتفاقية مع حكومة إقليم كردستان العراق بشأن نفط الإقليم والتي تمت بوساطة تركية، ستحسن من أداء الأسواق العراقية خلال الأيام المقبلة والرهان على ذلك بالعقود النفطية والتجارية التي يقدمها عبر دعوة رجال الأعمال الأتراك إلى الاستثمار في المحافظات العراقية للمساهمة في مشاريع الإعمار والاستثمارات كما كانت الحالة قبل سنوات.
فهل من الممكن تحقيقه بهذه السرعة ووسط هذه التطورات الإقليمية؟من ناحيته يردد رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو أننا مستعدون للتعاون مع العراق في كل إطار ومستعدون أيضا للمحاربة ضد المنظمات الإرهابية بما فيها داعش وحزب العمال الكردستاني الذي يشن هجمات ضد تركيا من أراضي العراق.
وكذلك تفعيل جميع الاتفاقات الثنائية علها تفتح فصلا جديدا في العلاقة بين البلدين بعد توتر في السنوات الأخيرة بسبب عدد من القضايا من بينها مساعدة تركيا لإقليم كردستان العراق في تصدير نفطه بشكل مستقل عن بغداد واستقبال أنقرة لنائب الرئيس العراقي السابق طارق الهاشمي واتهام المالكي لأنقرة بالتدخل في الشؤون الداخلية للعراق.
ويقول الأكاديمي التركي محمد شاهين إن الظروف الحالية تفرض على البلدين وجوب التعاون في مجال الطاقة، والعراق يريد إيصال نفطه لأسواق العالم عبر تركيا لأنها الأفضل والأكثر أمانا بكونها تريد انتهاء الإرهاب وعلى رأسه داعش، وإجراء تنمية وإعادة بناء العراق من جديد، لذلك تحرك العبادي على رأس هذا الوفد الوزاري الرفيع باتجاه أنقرة التي لن تتردد في الترحيب بها وإبداء الاستعداد لرد التحية بأحسن منها.
وأعلن وزير الخارجية التركي مولود شاووش أوغلو الذي أشاد بهذا الانفتاح، عن توقيع بلاده 48 اتفاقية مع العراق خلال عهد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي لكنها لم تحظ بموافقة مجلس النواب العراقي، مشيرا إلى أن علاقات تركيا السياسية مع العراق توقفت تقريبا في عهد حكومة المالكي بسبب سوء الفهم، إلا أنها بدأت بصفحة جديدة مع وصول حكومة العبادي إلى السلطة.
وكانت ثروة العراق الهائلة من الطاقة تعد جزءا رئيسيا من هذه التحالفات بين البلدين، وقد ظلت أنقرة لفترة طويلة تعد العراق شريكا في مجال الطاقة - فخلال الثمانينات كان يعبر ما يصل إلى 1.
6 مليون برميل من النفط يوميا عبر “خط أنابيب كركوك - جيهان التركي”، ومع ذلك توقفت تلك التجارة في ظل العقوبات الناجمة عن حرب الخليج في 1991، ولم تعد فعليا إلا في السنوات القليلة الماضية.
يقول إبراهيم قره غل الكاتب التركي المقرب من حكومة العدالة: هناك حقيقة لا يمكن إغفالها وهي أن العلاقات العراقية التركية كانت دائما تحت رحمة سلسلة من المتغيرات الثنائية والإقليمية مما جعلها غير مستقرة، وفي الأعوام الأخيرة بلغت الخلافات أوجها على خلفية الأزمة السورية وانحياز تركيا للمعارضة السورية، ورفضها للموقف الإيراني والروسي مما أسهم في المزيد من التوتر في العلاقات خاصة وأن بغداد المنفتحة على إيران والتي تجنبت إغضاب دمشق قبلت أن يكون الثمن الابتعاد أكثر فأكثر عن تركيا.
ويرى كثيرون في العراق وتركيا أن وجود المالكي في السلطة كان أحد أهم المؤشرات السلبية وأسباب التراجع في العلاقات.
رئيس تكتل العراقية إياد علاوي أصبح الشخص المفضل من قبل تركيا التي سعت لإقناع الأحزاب السنية بالاتحاد تحت لوائه وتحديدا بعدما أصدرت بغداد مذكرة اعتقال بحق نائب رئيس الجمهورية السني الهاشمي الذي استضافته أنقرة رغم كل التهم التي وجهت إليه.
ومع ذلك، فالذي لا يعرف بعد في أعقاب زيارة العبادي إلى أنقرة رغم ظهور الرغبة في البلدين في الاتفاق على فتح صفحة جديدة من العلاقات وطي صفحة الخلافات، هل أن ما يجري هو محاولة عراقية لاستبدال علاقاته الوطيدة مع النظامين الإيراني والسوري بالتوجه إلى علاقات جديدة مع باقي دول الجوار مثل الأردن وتركيا والكويت والسعودية؟ أم أنه يريد الجمع بين كافة التوازنات الإقليمية والدولية وهي لن تكون مهمة سهلة أمام كثير من أزماته الداخلية؟
العبادي العائد من زيارة تصالحية مع أنقرةما الذي ستقوله إيران؟
5 دقائق للقراءة

حجم الخط
