كان هدف التعارف في الآية الكريمة “وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا” خلق مزيج إنسانيّ تنصهر فيه كل العصبيات والمذاهب والشعوبيّات معًا، لتتجلى قيمتها في تمايزها واختلافها الظاهري، واتحادها واندماجها الداخلي. وكانت عرفة ولا مكان في الأرض يمكن أن يضم عددًا من الجنسيات المختلفة في وقت واحد ومحدد لا يزيد عن اثنتي عشرة ساعة مثل عرفة، إذ يحمل الوقوف بها إلى جانب البعد الروحيّ المتسامي ذلك البعد الإنساني الأفقي الذي ينبغي أن يستثمر بصورة كافية أثناء هذا اليوم.
ومع التركيز على البعد الأول المتصل بالجانب الروحيّ في عرفة وغيرها من الأماكن، كان إهمالنا البعد الثاني المتصل بالجانب الإنسانيّ، فالتعريف بذواتنا لدى الآخرين ينبغي أن يقدم من خلال تقديمها حضاريًّا لذلك الحاج؛ الذي يأتي من آفاق بعيدة استجابة لتحقيق ذلك روحيًّا، وهو على استعداد قوي لتوثيق رحلته، ونقل خبراته عنها، وأن يتفاعل معها عشرات غيره من أجل إلقاء مزيد من الضوء عن هذه الأماكن، والتعريف بها وبقاطنيها.
يكمن الفرق حاليًا في كون الزائر لعرفة وغيرها لديه خبرات كبيرة بجغرافيّة المكان وطبيعته وتفاصيله الثابتة، ولم يعد بحاجة إلى أن يتحرك من مخيمه من أجل الاطلاع على تفاصيل سبق أن عرفها وعاش ملامحها في وسائل الإعلام، وهو أيضًا قد لا يفتقر إلى محاضرات لتعلم لبس الإحرام، أو فضل الوقوف بعرفة، لكن حجر الزاوية في هذا هو افتقاد عنصر الإنسان الذي سيلتقي به في أي لحظة في تلك المشاعر، ويقدم له هذه الخدمات مهما قلت أهميتها في نظرنا، ومن خلال هذا ستتشكل صورتنا لدى غيرنا من الشعوب القادمة من كل فج بعيد.
إن علينا أن ندرك أن صورة، على سبيل المثال، لقائد سيارة لا يحترم المرور في عرفة ستكون صورة قابلة للتضخيم والتشويه ما لم نعمل على إنهاء حدود تمددها. وسيكون لها آثارها السلبية المتواترة، لذا كان من أبرز واجباتنا لتلك الأمم أن يشعروا بذلك التقدير والحب والتفاعل والتعامل معهم بكل إنسانيّة، الأمر الذي سيؤدي إلى خلق صورة إيجابيّة مؤثرة لدى من يؤم عرفة في هذا اليوم لأداء الحج، أو يأتي على مدار العام لأداء العمرة أو الزيارة.
وفي سبيل ترسيخ الصورة المرتجاة تظهر تفاصيل كثيرة هنا، لكن الحل يتجسد في محاولة إعادة النظر في أمرين رئيسين أولاهما: اجتناب سلبيّة لحظات لقاء مهمة هي: اللقاء الأول والأخير مع الحاج، واللقاء الذي يشكل مناسبة تُروى كعرفة، وذلك بالحرص على أن يكون ذلك اللقاء منطلق تفاعل إيجابي خلاق، والبعد عن السلبيات البسيطة التي تولد مواقف أكثر تأثيرًا، أما الأمر الثاني فهو إعادة النظر في العقوبات المفروضة في كل إشكال يتصل بالحاج ويعكر صفو رحلته، وربما كان لمضاعفة العقوبة أثرها الرادع في دفع ذلك منذ لحظة وصوله حتى مغادرته.