تركتنا على المحجّة البيضاء ليلها كنهارها فأبينا إلا النكوص باتجاهٍ زيغٍ لا يلتمسه إلا مَن سلك للغيّ سبيلا.
.
إذ ما لبثنا أن استبدلنا سواد المحاجّة تأويلاً فاسداً بالذي كان بياضاً مما جئت به هَدياً بالغ الصراط المستقيم.
.
فأفلحَ الشيطانُ يومَ أن حرَث فينا بيادر فتنٍ كقطعٍ من الليل مظلما.
.
فأجلب علينا بخيلِه ورَجِله فاستشرفنا مذّ أن أخرجنا من أحلاس بيوتِنا.
.
وأزّنا بخلافٍ كان غُفلاً من كل خير ليس من شأنه سوى «التّحريش» بحسبانه القِبلةَ التي أمّنا فيها أدعياءُ فتنةٍ يأخذوننا حيث تكونُ أبواب جهنّم مفتّحة على مصاريعها.
.
ولا تسأل حينئذ عن قلوبٍ سوداء مربّادةٍ كالكوزِ مُجخّياً لا تَعرف معروفاً ولا تُنكِر منكراً.
.
!ولقد أنخنا مُطيَّ الهوى حيثُ مراتعُ حِمى الدّيانة فغَلبتنا الشِّقْوة وتقحّمنا حِرْزها وتهتّكت بالتالي قٌدسيّته بما كسبت أيدينا الملتاثةِ بِدَبقِ زهرة الحياة الدّنيا.
.
وأوشكنا عند كلّ صيحةٍ أن نجعل من أهوائنا: “آلهةً» تأمُرنا وتنهانا هكذا استعْبدنا الهوى فأضلّنا وأذلّنا حتى غدونا صوراً/ شكلاً باقتفاء ما جئتَ به نُعجِب الناسَ بهيئاتِنا فيما نحن كما الخُشُب المسنّدة نحسبُ أنّنا على شيءٍ وقد بدّلنا تبدِيلا.
أرأيتَ تلك الدِماءَ التي حذّرتنا التّخوض فيها وأبَنتَ لنا- بما لا مزيد عليه -حُرمتها/ومعصوميّتها يوم أن أقسمتَ قائلا: «والذي نفسي بيده لقتل مؤمنٍ أعظم عند الله من زوال الدنيا» لهي اليومَ أهونُ عند سُفهائنا/ وأصاغرنا من إراقة أحدِهم الماء على حزْن من الأرض.
.
أولئك الذين تَولّوا من أمرنا سبَبَا فأفسدوا في الأرض وقطّعوا الرقاب «المعصومة» وهم بذلك يحتفون اغتباطاً وكأنّك - بأبي وأمي- لم تقل: «مَن قتل مؤمناً فاغتبطَ بقتله لم يقبل الله منه صرفاً ولا عدلا».
ألا شاهت وجوهٌ عليها غبرة - ترهقها قترة - وصموا جُرمهم بـ: «الجهاد» زوراً وبُهتاناً.
ولقد أتت علينا الغُثائيّة حتى سامَنا كلُّ مُفلِس فرَخُصنا هوانَاً حتى على أنفسِنا فيما الأممُ كلّها - كما أخبرتنا قبلاً - قد تداعت علينا من كلّ أفقٍ وها هي تِباعاً تَنال نصيبَها من»قصعِتِنا» لُقمَاً سائغةً يَزدَرِدونَنا وما بِنا من حوْلٍ يُمكنُنا أن ندفعَ به ما هو أدنى من ذلك أذىً/ وعَنتاً ذلك وأنّ قلوبنا قد أُشربت حبّ الوهن فرضينا بما لا يزيدنا إلا صَغاراً وأوشكت الحبال الموصولة بالله تعالى أن تتصرّم.
.
فأيُّ مهابةٍ لنا في قلوب أعدائنا ونحن الذين ما فتنا نستقوي بهم على بعضنا لنهلك بهذا الحرث والنّسل.
.
هذا شيءٌ من وضرِ أوساخ الملك العضوض إذ أحال الأمةَ - من بعدك - مِزقاً من دويلاتٍ تلعن كلّ واحدة أختها لا مرحباً بهم أذاقوا أمّتك لباس الجوع والخوف واستَحر القتلُ فيهم بابتغاء طالة مكثهم على كراسيّ تسند قوائمها على أرضٍ سبخةٍ تُسقى بأحبار فقهاء السلطان!وما عدنا نحفِلُ بالقرآن حياةً تستقيم به أمور ديننا ودُنيانا بل اتخذناه مهجوراً ذلك أنّ مَنّا مَن اتخذه غَرضاً يأكل به أموال الناس بالباطل.
.
ومِنّا من أشغله حفظ حروفه عن دَرِك معانيه فكان فيما جاء به من غاياتٍ من الغافلين وإن كان لآياته من التالين أطراف النهار وزلفاً من الليل.
.
.
وفينا من حرّف كلِمه عن مواضعه واستنطق مجملاته وفق مقاسات مفصّلات رغائبه.
.
وآخرون تشبّثوا بدال مُتشابهه فاتبعوها وأعرضوا عن مُحكمه.
.
وثمّة من صرفوا الناس بجمالِ رصفه ومبانيه عن جلال مقاصده وغاياتِه.
وأيُّ نكوصٍ على العقب هو أشنع من ذلك اليوم الذي جعلنا فيه من كلامِ البشر حكماً على كلام الله/ وسنتِك فأحلنا المتن هامشاً واستبدلنا هذا الأخير إذ جعلنا منه لنا: «إماماً» وصارت الحّجة البالغة في رأي خداجٍ لفقيهٍ مهووسٍ بالتّشدد حرباً على الحنيفية السّمحة.
.
فيما الوحيان يؤتى بهما للاستدلال من بعد الاعتقاد تخرّصاً وكأنّا بهذا الفقه الإكراهي قد هجرنا العبوديّة لله تعالى ويمّمنا وجوهنا شطر عبوديّة: «المذهب» وأقمنا: «العادة» مقام الشريعة وأعلينا من شأن: «الاحتياط» حتى كِدنا أن نجعل منه ديناً ثانياً.
.
وأسبغنا على من نحب: «تمذهباً» و: «تحزّباً» رداء العِصمة كذلك أوحى لنا الشيطان زخرفاً من القول غرورا.
ولئن سألتَنا كيف هو: «العدل» فينا؟ لقلنا: قد ذبحناهُ من الوريد إلى الوريد على ملأٍ من الناسِ وعلى حينٍ من الزّهد في البينات فلا نحنُ من الذين يُمسكون بـ: «الكتاب» وما بقينا من بعْدُ نعرف لـ: «الميزان» حقّه فكيف إذن يقومُ الناس بالقسط وتلك هي الحال التي انتهينا إليها!؟ولئن سُئلنا عنك - يا رسول الله - فلنقولنّ: نشهد أنّك قد بلّغت وأديت ونصحت (اللهم اشهد اللهم اشهد اللهم اشهد).
عذرنا - حبيب الله - أنْ خذلناك غير أنّ الخير في أمّتك باقٍ كما الغيث فلعل خيراً عظيما في آخره كما كان في أوّله.