الحجّ هذا العام يودّع آخر فلول الصيف.. تهب فيه نسمة من هنا أو هناك، تنعش الحاج في «الفيّة»، هذا إن لم تُظِلّ المشاعر المقدسة قطع من السحب، يكرم الله بها عباده في مواسم النفحات.
عرفت مدينتي «جدة» الحَرّ، خبزته وعجنها..أكلت معه «عيش وملح».. فشكّل بعض ملامح أهلها، وطوّع قلوبهم التي طرّاها «الندى»، كلّما حل (الوَمْد).. وتعزّز علينا (الهوا البحري)!
حينها تخرج المراوح (الخصف) من أكياسها (القطيفة)، في بعض البيوت، أو (الدُّوت) في معظم بيوت الحارات و»دِكاكها ودكاكينها»، فيدخل الناس في هفهفة لا تنتهي إلا حينما يرق قلب البحر، فيبتسم للنسمات التي تداعب صفحته اللامعة، فتصل إلينا حنونة وادعة.. حينها فقط تنام الحارة حتى في غير موعد النوم.
....
وإنّ لـ»سوق العرب» في منى معَنا من ذكريات الطفولة بهجة لا تتكرر، لكنها تظل عالقة بالذهن زمنا طويلا. ومع أنه لكل الناس والأجناس فلا أعرف عن سبب تسميته إلا ما قاله الأستاذ عبدالرحيم الأحمدي قبل سنوات في مقال أرْجَع فيه التسمية لما كان تعرضه النسوة من بنات البادية من أعشاب ومنتجات شعبية.. وإن لهذا السوق حميمية وبهجة يستشعرها الناس فيه في أيام التشريق، أمّا أنا فكنت مولعا في طفولتي بـ»الهارمونيكا» - كنّا نسميها «المزيكا»- لعبة نمررها على الشفاة وننفث فيها فتصدر أنغاما عبثية باجتهادات لا علاقة لها بالإجادة ولا تمت إلى المقامات ولا النوتات الموسيقية بصلة!
وإذا كان لمنظر وأجواء «سوق العرب»عند الكبار روحانية وبهجة وأنس، فقد كان له في طفولتنا -قبل سِنّ التكليف والاستطاعة - إحساس في الوجدان ومذاق على اللسان ومتعة لا تُضاهى!
"هارمونيكا" سوق العرب!
يحيى باجنيد2 دقائق للقراءة

حجم الخط
