كانت مكة وما زالت رمزا لأمومية الكون تجمع في طوافاتها كل التباينات والتوافقات، جمعت منذ الأزلية الأولى كل أصناف البشر بطقوسهم المتعددة ومزجت عاداتهم وتقاليدهم في سياقات فكرية متقاربه مع ثقافتها الخاصة، فأنتجت هوية تكاد تمتاز عن غيرها في مساعيها وأبعادها، ولا سيما في مثل هذه الأيام التي تتلاقى فيها كل الشعوب تحت سماء واحدة كان منها يوم القيس ويوم الحاجة.
ويوم «الحاجة» الذي يوافق الثامن من ذي الحجة عرف ضمن أبرز طقوس أهل مكة وثقافتهم في الحج.
والحاجة هي المكسرات باللهجة الشعبية الدارجة، وربما سميت بهذا لتتشاكل مع مفردة الحاج أو المؤنث منه حاجة لأنهم يقبلون على شرائها بكثرة، كما يكثر بيعها وتداولها في أيام الحج أكثر من أي شيء آخر، أو كما تعلل أم فيصل بأنها سميت نسبة إلى الاحتياج حيث كانوا يسدون رمقهم ويقضون حاجتهم بها حين يقل مخزون البيت في هذه الأيام ومن الصعب الذهاب لشراء مؤنة أخرى.
والأكثر قربا لحقيقة مسمى طقس الحاجة الفرائحي هو قول فاطمة العتيبي التي ترى أنه يوم تحضر فيه المكسرات والشاي وتبسط السفر فتكثر الأحاديث بين النساء وتصغي الآذان بشحمتها للكلام والطبل والغناء وإيقاعات الرقص، والعرب تسمي شحمة الأذن «حاجة» ولعل هذا عائد لأن التركيز في هذا اليوم يكون على حاسة السمع.
يوم الحاجة يبدأ من صلاة العصر يوم الثامن إلى منتصف العاشرة مساء تتفق النساء على منزل إحداهن للتجمع به، ومن شروط المنزل المختار وجود دكة تجهز بالطواويل والمساند الطرف ثم تبسط السفر من أول الدكة إلى آخرها وكل امرأة تجلب معها كيسا من المكسرات وبراد شاي وإذا اكتمل عددهن نثرت المكسرات على امتداد السفرة، ويبدأن بالأكل والأحاديث تدور مع دوران فنجان الشاي.
وعلى جانب الدكة في اليمين تخصص صاحبة الدار هذا المكان للفتيات الصغيرات حيث تجهزه بالطيران والطبول والوجار المليء بالجمر من أجل الغناء والرقص.
ومن طقوس هذه الجمعة النسوية أن الفتيات إن أنشدن «يا فاطمة بنت النبي خذي كتابك وأنزلي» أكلن على هذه الأنشودة حلاوة طبطاب الجنة لاعتقادهن بأن من يأكلها في هذا اليوم وعلى هذا الإيقاع الديني ستكتب له حياة سعيدة ويلحق في آخرته بفاطمة.
يوم الحاجة أهازيج وحكايا النساء المكيات
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
