تبدد الوثائق المحلية التي ظهرت أخيرا بحسب المؤرخ والباحث فائز البدراني الصورة النمطية السلبية، التي نقلها عدد من المؤرخين قديما عن عرب طرق الحج خاصة في الحجاز التي حصرت دورهم في أعمال الاعتداء على الحجاج، وممارسة السلب والنهب، صورة ترسخت على مدى التاريخ، فيما كشفت أيضا عن مصطلحات تظهر للمرة الأولى ما بينها «مشاية الطريق» و»دراج الحرمين» وغيرها.


يرى البدراني أن المؤرخين الموالين للسلطة في تلك الحقبة التاريخية، وراء تلك الصورة، ويوضح لـ»مكة» عددا منها، وغالبا ما يسلطون الضوء على الجوانب السلبية لعرب الطريق، فيما تغيب الجوانب الإيجابية والصور المشرقة للسكان المحليين لأهل القرى ولأهل البادية.
وأضاف البدراني أن الوثائق المحلية الظاهرة في السنوات الأخيرة كشفت أن لهم أعمالا خيرية مشهورة في خدمة الحجاج تصل إلى حمايتهم والدفاع عنهم، ويقول «من بينها ما ذكره المؤرخ المصري عبدالقادر الجزيري من أهل القرن العاشر الهجري، والذي أشار أن بعض مشايخ عرب الطريق دفع حياته ثمنا للدفاع عن الحاج والذب عنه، فقد ذكر في حوادث 949هـ أن زبن بن جمعة بن جبار الظاهري شيخ المراوحة من بني سالم قتل وهو يدافع عن الحاج، ودفن بالقرب من مقبرة الشهداء في بدر».
ويشير المؤرخ التركي أيوب صبري باشا إلى الأعراف القبلية المتعلقة بحماية الأمن في طرق الحج وطرق القوافل، لتأمين عابري الطريق ضد غارات القبائل الأخرى، إذ قال ما نصه «وإذا حدث أي اعتداء من أي قبيلة أخرى كانت الحرب تقوم بين القبيلتين بسبب ذلك، فحماية اللاجئ من الأمور المرعية عند العرب...».
ومع ذلك، فإن أيوب صبري لم يخف أن طريق الحج بين بدر والمدينة كان عرضة في أحيان كثيرة إلى السطو على أموال القوافل وعلى عابري الطريق.


أوقاف الحجاج

تظهر الوثائق مدى تأثير الروح الدينية في نفوس عرب طرق الحج في الحجاز، وتسابقهم في هذه الأعمال الخيرية، فيما تتنوع الأوقاف بين حبس البيوت والمزارع والآبار وغيرها على المنتفعين بها، وفي مقدمتهم الذرية والأقارب، ثم غيرهم من المسلمين من أهل البلد أو من عابري السبيل.
ومن عاداتهم في الوقف كما ينقل البدراني أن الأوقاف الأسرية تعود إلى الحرمين الشريفين وإلى قاصديها من الحجاج والمعتمرين، في حالة انقراض ذرية الموقف.


نماذج من الوثائق

جاء في وثيقة وقف في خيف الحسنية بوادي الصفراء مؤرخة في 1225هـ تخص محمد بن غنايم السماطي من قبيلة الرحلة، إذ جاء فيها أنه «وقف وحبس وأبد وأكد جميع ما يملك من العقار في القرية والبر لوجه الله تعالى وراجي به ثواب الله العميم يوم يجزي الله المتقين ولا يضيع أجر المحسنين، وذلك أصل البلاد الكاينة في خيف الحسنية...»، إلى قوله «وجعلت غلال ذلك أولا على نفسي مدة حياتي أنتفع به، ثم على أولادي الذكور والإناث ثم أولادهم...»، إلى قوله «ما تناسلوا أبدا ما تعاقبوا إلى انقراضهم، ثـم على الحرمين الشريفين، ذلك بحضرة الشهود...».


مشاية الدرب

وتشير الوثائق وقفه إلى ما أوقفه أحد رجال قبيلة البيضان من بني عمرو، أهل وادي الفرع، وهو وقف أملاكه في وادي الفرع على أولاده نسلا بعد نسل، فإذا انقرضوا فعلى الأقرب من ذوات الأرحام، فإذا انقرضوا فعلى «مشاية الدرب»، أو دراج الحرمين.
ومن ذلك أيضا ما ورد في وثيقة وقف أخرى لأحد أعيان القبائل في وادي الصفراء، جاء فيها «إنه لما كان التاريخ يوم 17 من جماد أول سنة 1279، لقد حضـر عندنـا منديل بن فالح وهو في حال الصحة سالم من الموانع الشرعية، وقد سبـل وحبـس الحوض الكاين في خيف الحزامي...»، إلى قوله «وذلك الوقف بعد انقراض بناتي إلى دراج الحرمين، إلى فقراء المسلمين...إلى آخر الوثيقة».