...وانفسح المجال أمام جمهرة الكاتبين لانتقاد مرجعية المذهب الفقهي السائد في بلادنا، بعد أن تجلَّت بعض تطبيقاته خارج بلادنا -وهي مفارقة طريفة في هذا المقام- وبعد أن كانت مقاربة موضوع كهذا من المحظورات التي يتهيبها الباحثون والكاتبون، في حين كانت المجاهرة بالاختلاف مع أحد أعلامه المعاصرين، تقتضي تبعات وتداعيات يتحوَّط لها كل من لديه رأي أو فكرة أو اجتهاد حول مرتكزات المذهب وأدبياته.
والمذهب هنا، ليس مقصوراً على مضامينه النصية المعتمدة في الأمهات من مؤلفات رموزه ومؤسسيه الأُول، بل يشمل وسائط مدونة سطَّرها علماؤه في العصر الحديث، في غير كتاب من أظهرها وأشهرها (الدرر السنية..)، المعتمد الأبرز لجميع المقررات الدينية والأنظمة واللوائح الإدارية منذ قيام الدولة، بكل ما ينطوي عليه من أفكار وآراء وأحكام قطعية ومطلقة، أُلبست قداسة، وأُحيطت بإجلال لا يستحقهما إلا كتاب الله سبحانه وتعالى (القرآن الكريم). ومن ثم تمددت تلك الهالة من القداسة، لتُلقى على علماء/أشخاص، مكَّنتهم مقاماتهم الاعتبارية من جعل المذهب خياراً محتماً واجب الامتثال والاتباع، وهكذا كُرست ثقافة المذهب وشاعت وتأصلت في مفاصل المجتمع، وأضحت مناط التزام قطعي. فصودر الاختلاف المذهبي السني، الذي شاع وازدهر في عصور إسلامية من أزهى عصور العلم، والتنوع المذهبي والبحث والاجتهاد.
وساعد وكرَّس استقرار الرأي المذهبي الواحد، أنظمة عدلية وقضائية في مجال الأحوال الشخصية والعبادات والفضائل وغيرها، وألقى بظلاله على شكليات ومظاهر حياتية ومعيشية ضرورية أخرى للناس. وتدَّخلت أدبيات المذهب في شكل تصميم الأبنية السكنية والمدارس والمستشفيات والإدارات الحكومية، بل والملابس والمراكز والمحلات التجارية والأسواق، ورُوعيت نفسيته في الأنظمة الإدارية الحاكمة لأنشطة ومنشآت كتلك. وبفعل مناهج تعليمية، وبفعل ضخ إعلامي واسع الانتشار؛ تمثَّل المذهب الفقهي في الذهنية الجمعية الشعبية بوصفه ديناً تأخذ أحكامه صفة القطعية، وتقتضي التسليم والامتثال، وليس بوصفه مذهباً توازيه وتتقاطع معه، وتختلف مذاهب أخرى.
أقول: انفسح المجال... وتراجعت حدَّة هالة المحظور، وتنفَّس أصحاب القلم فضيلة حرية الرأي ، وقارب كل منهم بحسب مقدرته واجتهاده ورؤيته قضايا عدة، مما حوته (الدرر السنية) -وأمثالها- وتجلياتها وفروعها السامقة في أنظمتنا ومناهجنا الدراسية، وظلالها الوارفة المستقرة في أذهاننا، ورواسبها العميقة في الوجدان الجمعي.
وكأن تلك الجمهرة من الكاتبين والباحثين قد اكتشفوا فجأة، ما تحويه (الدرر..) من أحكام ومفاهيم وتصورات، أو كأنها قد طُبعت وخرجت للناس للتو، ومن ثمَّ اتخذت بعض التنظيمات المسلحة من ذلك الكتاب وأشباهه معتمدها النظري في مشروعها وممارساتها، وأياً كان أمر تلك المقاربات الصريح منها والضمني، والمنهجي منها والعشوائي، والعميق والسطحي، فإن لها دورا لا ينكر في خلخلة ورجّ راسخ المهابة الذي أُحيطت به مثل تلك المؤلفات وشروحها وهوامشها وتفريعاتها، ولها فضل إزاحة وهم القداسة عنها، لأنها اجتهاد بشري مهما كانت نوايا أصحابه، والظروف والحساسيات التاريخية المصاحبة لنشأته؛ فإنها ليست بمنأى عن المراجعة والحوار حولها، والاختلاف معها، وإبداء الرأي المنهجي العقلاني بشأن مضامينها.
وأظن تلك المقاربات، مقدمة ضرورية لإعادة النظر في أمر (الدرر...) وأصلها المذهبي وتجلياتها الأخرى، ليتم طرحها في مؤتمر حوار وطني علمي، يناقش فيه المتخصصون في الشريعة وعلومها، من مختلف المذاهب ما تضج به تلك المؤلفات وأشباهها، من قضايا وأحكام، وفرزها وتجلية مضامينها، وما يقتضيه فقه الواقع وأولوياته من تصحيح مفاهيمها وقطعياتها. لأنها ليست كتاباً منزلاً، وليس مؤلفوها أنبياء معصومين، ولا المؤمنون بها والمسلِّمون لها يعيشون في مكان آخر غير الوطن، الذي يقتضي أمنه واستقراره ولحمته ومواطنوه وحاضرهم ومستقبلهم، مثل تلك المراجعات الضرورية، والله المستعان.
مراجعات ضرورية
محمد الدبيسي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
