التعوذ من: «الاستراتيجية» يأتي في أدعية العربي (التقي) في المرتبة الخامسة من بعد تعوذه من فتنة المسيح الدجال ما جعل قلب هذا: «العربي/ الأبي» يطمئن كثيرا إلى أنه في مأمن من أن تختطفه «الاستراتيجية» على حين غفلة.. أو أن تهوي به في مكان سحيق.!
وليس ينبغي لعربي أن يختلي بـ«الاستراتيجية» أيا تكن الأسباب؛ ذلك أنه ما خلا عربي بـ«استراتيجية» إلا وكان «التفكير» معهما، ولقد أوشك هذا الأخير أن يكون رجسا من عمل الشيطان؛ فيما كان هو الأجدر بأن يجتنبه كل أحد فينا شاء أن يكون مفلحا! ولم نلبث غير ساعة من نهار وإذ بالزمن يستدير دورته ويضج المكان بظاهرة عربية صوتية يسمعها كل أحد إلا أصحاب الشأن.. ضج المكان بصوت عربي فصيح اللسان بليغ البيان قوي الجنان:
انتهينا انتهينا من أي تفكير يمكن أن يكون له علاقة بـ: «الاستراتيجية» ورضينا بأن نكون مع الخوالف.. وما هي إلا هنيهة وإذ بالشوارع -العربية- السالكة وغير السالكة تسيل أودية من مكاء وتصدية -صراخ وصفير وتصفيق- يشي بغثائية تحمل الزبد كله وما قد حوى .. وأقسم المخلصون: ما من شيء إذن يمكث في الأرض فينفع الناس.. موتوا فلعلكم تحيون ثانية.
إن هو إلا: الركام من القش ذلك الذي أضحى جزءا -ذريا- من ثقافة «العربي» بحيث لا تغادره هذه العقلية -منتهية الصلاحية- لا في صغير من أمره ولا في كبير.. وما تحت القبة من أحد إلا وقد طاوله أذى العلل التي تنشأ من عداوتنا لـ: «العقل» بطريقة فجة قد ألفينا معها هذا الأخير ملمزا يعير به من تحدثه النفس الأمارة بالسوء بالانتساب إليه .. وربما يعاقب عليه آخر في حال فكر أن يوقظ بعضا من رقاد عقله.! في الأثناء التي حفل فيها القرآن بـ: «47» جذرا دلاليا لمفردة العقل.. وهي دلالات ما برحت بخطابها القرآني المتعالي تندب حظنا إن لم نعل من شأن مناط التكليف / العقل.
يعبث الحالمون حين ينتظرون من مجتمع ناصبي في عدائه لـ«أهل بيت العقل» ورافضي لـ»أصحاب رسل الاستراتيجية».. أؤكد: يعبث هؤلاء الحالمون حين ينتظرون من مجتمع -هذه صفته- أن تتفجر منه طاقات علمية -مجددة- وفكرية- خلاقة- وفلسفية –مشرقة- ومعرفية (ابيستمولجية) فاعلة وذلك أن الفكر(الاستراتيجي) وطالما أنه لا يفتر وهو يسجل حالات غياب أو حتى حالة «عدم» تشهدها منطقتنا كلها من أي أثر يسعنا أن نستدل به على أن خطابا -استراتيجيا- قد غزا العديد من مؤسساتنا العلمية والمعرفية ولو على استحياء..!
نحن -يا سادة- في حالة تصحر معرفي يغتال حاضرا قد أنفق قواه كلها في معارك تاريخية -أبطالها قد استحالوا رمما في قبورهم- وإن حاضرا هذا شأنه لا بد وأن يتمخض عنه انمحاء أي ملامح لمستقبل يمكن أن نستشرفه.
وبقدر ما هي عليه الثقافة الغربية من حماس منقطع النظير- بات يتعاظم يوما بعد آخر- لمزيد من الدراسات الاستراتيجية في جميع المجالات العلمية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية نجد ثقافتنا العربية وكأنها تجدد عداوتها للدراسات والبحوث التي تمت بأي صلة لـ: «الاستراتيجية» وآية ذلك الركود المذهل الذي تشهده المؤسسات التي يفترض أن يكون هذا من أهم مشغولاتها (مراكز بحثية استراتيجية) في سبيل أن تضع لها موطئا.. ولو لقدم واحدة على أعتاب نادي: «الاستراتيجيين» وحسبنا أننا بعْد لم نتأهل ولا لأن نكون جمهورا على حين أثبتنا تفوقنا بأننا مادة -خام- لدراساتهم وتجاربهم.!
بأوجز عبارة يمكن القول في سبيل مقاربة تصور:» الاستراتيجية» لغير المختص بأنها لا تعدو أن تكون فنا لقيادة أي معركة تعول على قطبي رحاها: * استقراء الواقع و* استشراف المستقبل لأنها -حسب أهل الاختصاص- تتكون من عنصرين: «الإقدام والابتسار» وهي تعني القيام بالشيء قبل أوانه. ثم انتقلت بكل حمولتها من معناه العسكري الخالص إلى أن تتنازعها المجالات الأخرى بحيث قد اتسعت ساحاتها لتستوعب من بعد الساحة العسكرية بقية الساحات من السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والثقافية والفكرية من دقة في صناعة القرار والتناهي في سرعة اتخاذها في ظروف استباقية يتحقق لصاحبها فيه النصر ويتم له الحسم.
وبالنسبة لمن يضيقون ذرعا بـ:»الذات» التي تورمت من جراء كثرة جلدها يسعني القول لهم بشيء من إيجاز ما يلي:
*أسئلة الـ: «لماذا» والـ: «كيف» وحتى الـ: «ماذا» والـ: «متى» والـ: «أين» قد غيبها الاستبداد الذي ما فتئنا نباركه بدءا من مفهوم للبر مغلوط حيث السلطة: «الإبائية» وتوسطا بتوقير مزيف لكهنوت: «سلطة الشيخ» وليس انتهاء بـ: «السياسي» الذي يرى الأسئلة مقدمة خارجية بين يدي العصيان/ وشق عصا الطاعة.!
وليس بخاف على أن السؤال بـ: «لماذا» وشقيقه: «كيف» هما السؤالان الأساسان اللذان تصاغ وفقهما أي إجابة ذات بعد استراتيجي. وحيثما تم اغتيالهما عشنا في عالم من التيه عن أي استراتيجية ولو في مرحلة تخلقها علقة.!
وعليه.. فلا تعلموا أولادكم السباحة ذلك أنهم لن يحققوا -أي ميدالية في أي أولمبياد- ولا تعلموهم ركوب الخيل- فالخيل معقودة نواصيها لأبناء الذوات- ولا الرماية، إذ إن هذه الأخيرة قد تنتهي بهم إلى: «داعش» وبئس المصير، ولكن إن كنتم تتقون فعلموهم كيف يسألون بـ: «لماذا» وبـ: «كيف».. وعلموهم أنه لا أحد أكبر من أن يسأل، وأن الأمة تموت يوم أن تقبر فيها هذه الأسئلة.!
* اجلد ذاتك ما استطعت إلى ذلك سبيلا.. فذات تنام في العسل وتلتحف النفط لها غطاء وتتضلع من: «زمزم» ريا.. وتولي وجهها إلى غير شطر الكعبة.. ولا تفيق إلا على هجائية جرير والفرزدق.. ذات غذيت بالكره.. ورأت السماحة من شيم الضعفاء..، .... و... و.. لئن لم تجلد مثل هذه الذات- ويشهد عذابها طائفة من المؤمنين- فإن باطن هذه الأرض خير لهذه الذات من ظاهرها.!
العربي عدو الاستراتيجية!
خالد السيف5 دقائق للقراءة

حجم الخط
