ليس بين الإرهاب والمعاصرة - فيما يبدو للوهلة الأولى- جامع يتيح عطف أحدهما على الآخر بالواو، كما في عنوان المقال، ولكن عنوان مؤتمر مكة المكرمة السنوي الذي تنظمه رابطة العالم الإسلامي في موسم الحج، انعقد هذا العام تحت عنوان: «الثقافة الإسلامية بين الأصالة والمعاصرة»، وكان الموقف ضد الإرهاب حاضرا بقوة في الكلمات التي تليت في افتتاحه، وفي مقدمتها كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز التي ألقاها بالنيابة أمير مكة صاحب السمو الملكي الأمير مشعل بن عبد الله. فما الوجه الذي أتاح للمتحدثين أن يتحدثوا عن الإرهاب تحت عنوان «الأصالة والمعاصرة»؟ وهل قصدت الرابطة بعنوانها الذي اختارته للمؤتمر التنبيه على وجه الاجتماع هذا؟ ما ضرورة ذلك وما أهميته؟
إن الإرهاب هو المشكلة الملحة على الفكر الإسلامي في لحظته الراهنة، وهي أعتى مواجهة عنيفة تخوضها الأمة الإسلامية حديثا بعد مواجهاتها مع الاستعمار التي انتهت بالتحرر منه منذ عشرات السنين. فراهنية المشكلة -إذن- هو ما يفرضها موضوعا للمؤتمر. أما قضية الأصالة والمعاصرة فهي سؤال التقدم والنهضة المطروح على الوعي العربي والإسلامي منذ مطلع العصر الحديث، ذلك أن وعي العرب والمسلمين بالعصر الحديث لم يحدث إلا باستيقاظهم على مدافع الحملة الفرنسية بقيادة نابليون على مصر عام 1213هـ، فغدا هذا التاريخ مفْصل وعي صادم لهم بمدى التخلف والضعف الذي كانوا يعيشونه في كافة الميادين، في مقابل تقدم أوروبا وحداثتها التي بدت لهم ضربا من السحر.
غدت المعاصرة هنا صناعة الأوروبيين ونظمهم وعلومهم، لأن الزمن العربي لا يملكها واستدعت إعجاب نخبة النهضويين في الأمة وطموحهم إلى تمثل الأوطان العربية والإسلامية لها بما يؤدي إلى التطور والمعاصرة التي تستبدل الغنى عن الأجنبي بالحاجة المفروضة إليه، والندية له بالدونية عنه، والتشارك والتعاون معه بهيمنته وتسلطه. وكانت الأصالة ركيزة هذا الطموح والدافع إليه، فلن يستطيع أحد المحافظة على هويته والدفاع عنها بحبسها في قفص القدامة، ولن تكون المعاصرة من دون أصالة إلا جسدا بلا روح وشكلا بلا معنى، ولا مناص –إذن- من الطموح إلى التوفيق بينهما.
وحين نبحث عن علاقة للإرهاب بقضية الأصالة والمعاصرة، نجدها كما تنطق أدبياته، في صميم الأسباب التي أدت إلى وجوده، وهي رفض المعاصرة. فالإرهابيون يحملون فكرا دينيا متطرفا تجاه العلاقة بالأجنبي، ومن ثم العلاقة بالمعاصرة ولازمها الحداثة. إنهم ضد الأوطان القطرية، وضد العلوم العصرية والأنظمة والقيم الإنسانية، يزدرون المرأة، ويكرهون غيرهم من أبناء المذاهب الأخرى، ولا يؤمنون بعلاقات سلمية مع العالم، ولا بمؤسسات دولية لتنسيق التعاون الدولي. وحين ينفون علاقتهم بالعصر فإنهم يطالبون بالعودة إلى الماضي، وهي عودة انتقائية وضيقة النظر، تنفي ما يزخر به الماضي من تعدد فقهي ومفاهيمي، ولا يرون لرأي غيرهم الحق في الوجود.
هكذا لا يغدو التطرف حربا على المعاصرة فقط، بل هو حرب على الأصالة أيضا. وإني لأرجو الله تعالى أن يكون مؤتمر مكة قد انتهى إلى نتائج مفيدة.