المفتي في الأدبيات الشرعية هو الواسطة بين النص الشرعي والواقع بجميع حقوله الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، أي أنه هو من يُنَزِّل النص الشرعي على الواقع، ويعبر ابن القيم عن الدور الذي يقوم به المفتي بالتوقيع عن رب العالمين؛ إذ يسمي المفتي (المُوَقِّع عن رب العالمين)، مُشَبِّهًا المفتي بالوزير الذي يُوَقِّعُ عن السلطان فيما يصدره من أوامر، وهذه التسمية لابن القيم تشير للسلطة الكبيرة التي يمتلكها المفتي في المجتمع المسلم، ولخطورة هذا الموقع الذي يتمتع به المفتي نجد أن وظيفة الإفتاء في التراث وظيفةٌ صعبةٌ لا يصل إليها إلا الأفذاذ؛ إذ وضع لها علماء الأصول شروطًا تتعلق بالنص وبالواقع؛ فأما ما يتعلق بالنص فاشترطوا أن يكون لدى المفتي معرفة عميقة بالنص الشرعي من حيث الثبوت، ودرجات الثبوت، ومن حيث الدلالة قطعـيِّها وظَنِّيها، ومفهومها ومنطوقها، ونصها، وظاهرها، وعامها وخاصها، ومطلقها ومقيدها، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، واختلاف العلماء، ومواطن إجماعهم، وأما ما يتعلق بالواقع فاشترطوا المعرفة العميقة بالواقع وما فيه من تكتلات فكرية، وفرق وأهواء سياسية وعادات وتقاليد، وأعراف اجتماعية، وصراعات، ومصالح ومفاسد.
ونلحظ في هذه الشروط التي اشترطوها في (المفتي) قدرًا من التشدد، وإنما دفعهم لذلك صعوبة تنزيل النص الديني على الواقع، وإذا كان الجانب العبادي من الدين كالصلاة والصوم والحج من الثوابت التي لا تتغير فيها الأحكام - وهذا يُسَهِّلُ على المفتي إبداءَ الحكم الشرعي فيه - فإن الجانبَ السياسي كلَّه من المُتَغَيِّر الذي تحكمه صراعاتٌ، ومصالحُ، وشبكةٌ معقدةٌ من العَلاقات؛ منها ما هو ظاهر، ومنها ما هو خفي، وهذا ما يُصَعِّبُ مهمةَ المفتي إن لم يجعلها مستحيلة؛ إذ تستلزم الاستعانة بمكاتب استشارية مستقلة متعمقة في قضايا السياسة، وهذه مهمةٌ لا يمكن أن يضطلع بها المفتي الواحد بل هي بحاجة لمجلس إفتاء متخصص مستقل، وتكمن خطورة الفتوى السياسية أنها ليست قاصرة على فرد المستفتِي، بل لها مساسٌ بحياة قِطَاع ٍعريضٍ من الناس، وقد يتبعها سفكُ دماءٍ، وتشريدٌ، ولها جوانبُ اجتماعية واقتصادية قد تكون مدمرة ، ومع تعقد الواقع، وتشابك الوقائع والتباسها، وخطورة النتائج المترتبة على الفتوى السياسية نجدها اليوم من أكثر أنواع الفتاوى رواجًا؛ وذلك لأنها أصبحت أحد أنواع السلاح الذي يستخدمه المتصارعون في مجتمعاتنا العربية، فما هو حرام عند فئة نجده واجبًا عند فئة أخرى.
فالمرجعية الشيعية أفتت بوجوب الاشتراك في الانتخابات البرلمانية الأولى بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، وأن من لم يشترك فهو آثم، وهيئة علماء السنة أفتت بحرمة الانتخابات، وأن من اشترك فيها فهو آثم، وجماعة الإخوان أفتت بأن ما حصل في 30 يونيو انقلابٌ؛ من شارك فيه فهو آثم، وحزب النور السلفي أفتى بأن المشاركة فيه واجبة لإنقاذ الوطن، وقد جرى عكس ذلك في الجزائر عام 1992م؛ إذ أفتت جبهه الإنقاذ السلفية بحرمة الانقلاب على نتائج الانتخابات، وأن من اشترك فيها فهو مجرم آثم، وفي المقابل اشتركت حركة المجتمع الإسلامي الإخوانية فيه، ورأت أنه مصلحةٌ للبلد، وفي أحداث العراق الأخيرة صدرت فتاوى متضادة من كل طائفة، ومثلها في أحداث اليمن؛ فقد أصدر دعاة سعوديون فتاوى وجوب الجهاد ضد الحوثيين بعد احتلالهم صنعاء، وقبلهم أصدر الحوثيون فتاوى الجهاد ضد الوهابيين.
فنحن إذن في خضم حرب فتاوى سياسية، وما يوجِّهُ المفتي فيها هو مصلحة الجهة التي يتبعها دولةً كانت أم حزبًا، أم حركةً، أم طائفةً، ومن هنا أصبح لكل حزب مفتيه، ولكل حركة مفتيها، فضلا عن الدول والطوائف، وتعددت الفتاوى السياسية بتعدد تلك الدول والطوائف والحركات والأحزاب، وأصبحت الفتاوى الشرعية في الحقل السياسي أقرب للأضحوكة بتعارضها بتعارض مصالح الجهات التي أصدرتها، ولهذا فليس من مصلحة أي بلد أن يرهنَ تحركَه السياسي في قضايا الحرب أو السلام بفتوى دينية؛ لأنه بهذا يرسخ هذا المنحى في التعامل مع عالم السياسة، وسيجدُ في مقابل الفتوى التي يستعين بها مئات الفتاوى المعارضة، وسيجد لكل فتوى منها أنصارًا، والمفترض أن يكون عالم السياسية من المتغيرات الخاضعة للمصلحة، والمصلحة إنما يقدرها السياسي؛ إذ هو الخبير بها أكثر من عالم الدين.