عندما كنت في صحيفة (الشرق) منذ ثلاث سنوات، أبلغتني إحدى كاتبات الصحيفة (وهي أم وزوجة محترمة) أنها تتعرض على إيميلها وهاتفها إلى عملية ابتزاز من أحدهم، وهي تخشى أن يكتشف الأمر زوجها أو أبوها فيصعب إقناعهم أنه (كاذب مبتز) وأنها بريئة، ولا تعرفه أصلا فهو يزور صورا مركبة لصورتها الحقيقية ويدعي مكالمات وتواصلا معها، وهو كاذب، فأبلغت مدير شرطة الشرقية اللواء غرم الله الزهراني، وتحروا عنه وقبضوا عليه، واتخذوا الإجراءات النظامية، وانتهت المشكلة مع الستر على الضحية البريئة، وهكذا فيما أعتقد تفعل الشرطة إذا بلغتها أي شكوى ابتزاز، ولا شك أنه واجبها، فالشرطة معنية بأمن الناس مواطنين ومقيمين، وسمعت عن قصص مماثلة في مناطق أخرى، لكن الشرطة لا تعلن عن جهودها في هذا الصدد، فهي تنظر إليه بصفته واجبا تؤديه يوميا، ولم يحدث أن سمعت أو قرأت أن مبتزا قاوم الشرطة أو ضرب أحدا من أفرادها، فهم مدربون ومؤهلون للتعامل مع هذا الصنف من الجناة، وأعتقد أن على الشرطة أن تعلن عن جهودها في هذا الصدد، ليس من أجل إبراز تلك الجهود، وهي تستحق الإبراز إعلاميا، ولكن من أجل أن يعرف الناس في الوطن أن الشرطة تقوم بهذا الدور الهام وليس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقط، بل إن الشرطة قد تكون أكثر قدرة من حيث الإمكانات الفنية، وربما أسرع.
وهنا أرجو ألا يفهم أحد أنني أعترض على جهود الهيئة في محاربة الابتزاز، بل إنني أؤيدها، وأطالب كافة المواطنين والمقيمين بمحاربة الابتزاز أيا كان، وأن يتم إبلاغ الشرطة أو الهيئة عن أي حالة ابتزاز يكتشفها أحدهم، ويتحرج ضحاياها من الإبلاغ خوفا من الفضيحة أو العيب، أو أنهم لا يعلمون عن الجهة التي يمكن أن تحميهم، لكنني فقط أطالب بأن تكون جهة القبض الوحيدة في هذه القضايا أو أي قضايا جنائية هي الشرطة، وذلك لأن هذه مسؤوليتها، وهي جاهزة خبرة ومعرفة وتدريبا وتأهيلا لهذه المهمة، وهي الأقدر عليها، والأكثر إقناعا واستجابة، وليس صحيحا ما قاله أحد المحامين للزميل علي العلياني في برنامجه المتألق (يا هلا) منذ أيام، أن هناك جهات قبض متعددة في معظم دول العالم، فالكل يعلم أن الشرطة هي الجهة الوحيدة المخولة بالقبض في العالم كله، والشرطة تتعاون وتستجيب لأي جهة تطلب القبض على مجرم أو مخالف، بل حتى المرور في دول العالم المتقدم الواعي من حقه أن يصدر أي عقوبة بحق أي مخالف لأنظمته، لكن القبض عليه إذا استدعى الأمر يكون مسؤولية الشرطة، والمحاكم عندنا وفي الدنيا كلها، تستعين بالشرطة لتنفيذ عقوباتها وأحكامها، بل تستعين بها حتى في إحضار الخصوم المعاندين، والقضاء كما يعلم الجميع سلطة قوية ونافذة.
ما أريد الوصول إليه هو أمل ورجاء واقتراح لرئيس الهيئة الرجل المتميز في عمله وأخلاقه وعلمه ووعيه الشيخ عبداللطيف آل الشيخ، أن يتخذ إجراء نظاميا يجعل مهمة القبض على المبتزين وغيرهم ممن يدخل ضمن جهود الهيئة للشرطة، تلافيا لأي اعتداء على رجال الهيئة الميدانيين، مثلما حدث في الجوف منذ أيام، وفي غيرها مرات عديدة، وأن يكتفي رجال الهيئة بالتحري والتثبت، ومن ثم إبلاغ الشرطة بالقبض، وتسليم ملف المتهم لهيئة التحقيق والادعاء العام، والقضاء، والشرطة قطعا لن تتوانى في الاستجابة السريعة لبلاغات الهيئة، مثلما تفعل مع بلاغ أي مواطن أو مقيم في هذه الأمور.
موظفو الهيئة لا شك أن معظمهم حسن النية، ويشعر أن تعديل أخلاق وسلوكيات المجتمع مسؤوليته، مع أنها ليست من اختصاصه، واختصاصه هو متابعة أي موضوع يصله عن طريق شكوى أو بلاغ، ثم تسليم الأمر للشرطة، وبقية جهات الاختصاص في الحكم والتنفيذ، لكن هذا الرجل وفق تعليمه يظن أن تغيير المنكر -كما يعتقد ويرى- بيده، من حقه وواجبه، ثم إنهم غير مدربين ولا مؤهلين للقبض على المخالفين أو المجرمين، وليس من حقهم فعل ذلك، ولا من واجبهم، بل هذه مهمة الشرطة، والشرطة فقط.
ومهما كان نظام الهيئة، وما يتيحه لأفرادها، فإن مهمتها الأساسية - فيما أعتقد - هي الوعظ والإرشاد بالحسنى، واللين، أما القضايا الأخلاقية والجنائية التي تكتشفها فمهمة القبض فيها للشرطة، والتحقيق لهيئة التحقيق، والحكم للقضاء، وليس منطقيا ولا معقولا المطالبة أو التفكير بتدريب رجال الهيئة أو تسليحهم، وإنما من الضروري تمييزهم بلباس معين حتى يعرفهم الناس حين ينصحون، وترك كل جهة من جهات الاختصاص تمارس دورها، فتسليط رجال الهيئة على المجتمع له عواقب وخيمة، إلا إذا تحولت الهيئة كلها إلى شرطة آداب، فذاك أمر آخر له نظامه وتأهيله وسلطاته، وهو جزء من الأمن العام، أي تابع للشرطة في كل أو معظم دول العالم، أما هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهي غير موجودة كجهاز رسمي إلا في بلادنا فقط!!، ويجب ألا تكون جهة قبض مطلقا.
(الشرطة) تحارب الابتزاز: (الهيئة) يجب ألا تكون (جهة قبض)
قينان الغامدي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
