من أكثر الكلمات أو المصطلحات في مشهدنا السعودي أحقية بالتحرير والتحليل والتحديد كلمة (مثقف)، فقد تحملت هذه الكلمة ما لم يتحمله سواها من الكلمات، واتسع معناها قَسْرا، وصارت تُطلق على القليل جدّا ممن يستحقونها والكثير ممن لا يستحقونها، وصار الكثير من الناس يسعون إلى أن يحظوا بشرف إطلاقها عليهم دون أهلية، ويتشبثون بها، على الرغم من عدم وجود علاقة أو دلالة يمكن أن تجعلهم يتصفون بها.
نعم، لقد حدث أخيرا كثير من التسامح والتساهل والتهاون في إطلاق هذه الكلمة، جعل من هذه الكلمة (مثقف) ذات الدلالة السامية والعظيمة والنخبوية ممكنة الإطلاق - للأسف – على من لا يستحقها، فصار طبعيّا أن تطلق على كل إعلامي وكل أكاديمي وكل من كتب صفحة أو صفحتين لا تمت للأدب والإبداع بصلة؛ ولذلك فقدت هذه الكلمة في مشهدنا قيمتها وسمو دلالتها، وانتقل الداء إلى الجهات العليا المعنية بالثقافة، وكذلك المؤسسات الثقافية، فلم تعد تهتم كثيرا في لوائحها النظرية وفي ممارسات العمل الثقافي بها بما يضمن وجود المثقف الحقيقي.
المثقف الحقيقي الذي يمكن أن تصدق عليه كلمة (مثقف) هو درجة سامية ومرتبة عليا من الأفكار والممارسات والاهتمامات، وهو دائما ما يكون ذا نظرة شمولية تتجاوز الآحاد، ومسكونا بالشأن العام، وليس مسكونا بذاته فحسب، وفي ذلك يتساءل صالح بلعيد في (النخبة الوطنية والمشاريع ص18) مستغربا حال المثقف الذي لا يتجاوز اهتمامه ذاته: “فما الفائدة من المثقف إذا لم يشم هموم المجتمع، وينقل معاناتهم، ويعبر عنها، فالقرب من المجتمع حالة واقعية، ومسؤولية أخلاقية، ولذا فإن مقتضيات الحال تستدعي من هذا المثقف أن يكون فاعلا في مشاريع التطوير التي يحتاجها مجتمعه، ويكون صوتا لهم للتعبير عن همومهم، لأن المثقف – في الحقيقة - فاعل اجتماعي، عليه أن يدس أنفه في الشأن العام، ويحاول التأثير في وعي المجتمع، ويحمل هموم الآخرين، ويحاول التأثير في المجتمع والسلطة، وفي أجهزة المنظمات، مستثمرا وسائط الإعلام ومؤسسات المجتمع، والحال هذه تدعو المثقف أن يكون كالواعظ، ينزل إلى المحال العمومية، ويتكلم للناس، وينصح لهم”.
وإذا ما حاولنا إسقاط الصفات والمحددات الثقافية السابقة على مثقفينا في وضعنا الراهن، فسنجد أن من تنطبق عليهم هذه الصفات والمحددات ربما لا يزيدون على أصابع اليد، ولا سيما أننا إذا ما نظرنا إلى واقع مثقفينا أدركنا أن لدينا شريحة كبيرة من المثقفين كان بالإمكان أن يكونوا مثقفين حقيقيين يحملون هم المجتمع، ويحاولون إيجاد وسائل النهوض والتطوير، لولا انكفاء هؤلاء على مصالحهم الشخصية، واعتبارهم الساحة الثقافية ميدانا للربح والخسارة، وامتلاء أجسادهم وأنفسهم بشحنات كبيرة من المشاعر السلبية تجاه الواقع وتجاه المجتمع، ولذلك غاب هؤلاء الذين كان من الممكن أن يكونوا أداة إصلاح وتنوير فاعلة، غابوا عن دورهم الحقيقي، واشتغلوا بما يجسد للخاص والعام، إنهم مسكونون بذواتهم لا أكثر، وإن الهم المجتمعي لم يعد يشكل هاجسا لهم.
ما تشهده المؤسسات الثقافية لدينا من صراع أبطاله المثقفون، وفي المقابل ما اختطه بعض المثقفين لدينا من منهج أو نمط ثقافي لأنفسهم جعلهم ينعزلون عن المجتمع، وعن الشأن العام، ويغردون خارج السرب، وينكفئون على أنفسهم، دليلان أكيدان على خلل لدينا في تصور وظيفة المثقف ومهمته ودوره في الإصلاح المجتمعي، ودليلان على عدم رغبة المثقف في المشاركة، واهتمامه بمصلحته وذاته قبل المجتمع.
صحيح أن البيئة الثقافية قد لا تكون متاحة لأن يمارس المثقف لدينا مهمته الثقافية كاملة، وكما ينبغي أن تكون، ولكن التحجج بهذا الأمر أو بهذه الحال يظل أمرا غير مقنع، في ظل وجود عدد من الخيارات والقنوات والوسائل والنوافذ والهوامش المتاحة لأن يؤدي المثقف على الأقل نصف ما يجب عليه تجاه مجتمعه وتجاه وطنه.
وإذا ما أدرك كل مثقف حقيقي أن هذه الخصوصية التي وهبها الله إياه، وهذا الحكم أو الوصف الاستثنائي والنخبوي (مثقف) الذي يعطي خصوصية وقيمة، والذي لم يأت من فراغ، وإنما جاء بالموهبة والتكوين أولا، ثم جاء بالتكوين العلمي والفكري والاجتماعي والتجربة والخبرة ثانيا، يستحقان منه أن يجسد قيمتهما وأهميتهما وحضورهما ومقتضيات وجودهما، فإن الواقع الاجتماعي والثقافي وإن ما يمكن أن يكون في طريقه من عوائق وصعوبات، وما يمكن أن يلمسه من المجتمع من نظر إلى المثقف، كلها أمور ينبغي ألا تحول دون أن يقوم بوظيفته.