ها هو عيد الأضحى المبارك قد أوشك، وبشائره قد أقبلت، ونسائمه قد عبقت، وسيستقبل المسلمون هذا اليوم المجيد يوم الحج الأكبر (يوم العيد) بعد غد إن شاء الله، وقد أمر الشارع الكريم بإظهار الفرح والسرور به، ولكن هل حال هذا العيد كحال عيد الفطر في نفوس المسلمين؟ ولماذا؟ وما واجبنا تجاهه؟
إنه على الرغم من المآسي التي تعيشها الأمة، إلا أن العيد مناسبة مواتية للسرور ولإدخال البهجة على الأهل والجيران وصلة الرحم ومواصلة الأصدقاء، كما أنه فرصة مواتية للتجاوز عن الزلات والعفو عن الهنات وما يقع بين الناس من سوء فهم أو تخاصم، فهو وقت مناسب جدا للتسامح والصفح، وهذا هو الهدي النبوي.
وقد اعتاد الناس في العيد على أمور منها ما هو جميل ويرجى له الزيادة، ومنها ما هو محزن يرقى إلى درجة المؤسف ويرجى زواله، فالتواصل الرائع بين الأسر في العيد وعادات العيد عند من يجتمع منهم في منزل أو استراحة أو مخيم أمر يسر الناظر ويبهج الخاطر، ورسائل العيد النصية أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبرامج الجوال بهدف المعايدة شيء يسعد المتابع، فالنفوس يبدو واضحا أن شعارها الصفاء وتتوق للنقاء لتواصل الوفاء.
لكن الذي يحز في نفس المسلم مشهد بعض المصلين في صلاة عيد الأضحى المبارك وهم يؤدون صلاة العيد بملابس أقل ما يُقال عنها إنها عادية إن لم تكن رثة، وكأنهم ليسوا في يوم عيد، بحجة الاستعداد لذبح الأضاحي بعيد الصلاة! كما يتعجّب من الذين ينصرفون قبل تمام الخطبة لذات الحُجة، وكأنهم لا يعلمون أنهم بذلك يفوّتون على أنفسهم سننا على حساب سنّة! ووقت الأضحية يمتد لأربعة أيام (يوم العيد وأيام التشريق)، فلماذا التعجّل وتفويت السنن دون اكتراث؟
وقد ظلت مظاهر العيد إلى وقتٍ قريب ظاهرة للعيان يحرص عليها الجميع، لكن المحزن حقا أن تلك المظاهر بدأت بالزوال شيئا فشيئا لدى أغلب الناس، حتى بات المرء لا يعرف هل هو في أيام عيد أم لا!
وهذا يظهر جليا في أيام عيد الأضحى المبارك، فالعامّة يسمّونه (عيد اللحم)، وهذه التسمية ليست خاطئة لورودها (أيام أكل وشرب وذكر لله)، ولكن الخطأ هو عدم إظهار البهجة، فمع سنة الأضاحي ينشغل أغلب الناس غير مبالين باتباع سنن العيد الأخرى، كلبس الجديد والتطهر والتطيّب وحضور الصلاة واستماع الخطبة، بل حتى في المعايدة بات البعض لا يهنئ الآخرين بهذا العيد كما يفعلون في عيد الفطر. ونحن بحاجة لمراجعة أنفسنا، فحال أغلب الناس مع هذا العيد لا يتفق أبدا مع السنة، وهذا أمر مشاهد، فمنهم من لم يستعد له بنصف الاستعداد الذي كان لعيد الفطر المبارك، ومنهم من لم يبتهج ويُسَر بعشر معشار الابتهاج الذي كان يعيشه إبان ذلك العيد. ونظرة واحدة إلى الأسواق تثبت ذلك؛ فقد بات أغلب الناس لا يكتسي هو وأطفاله ملابس جديدة بعكس عيد الفطر الذي تعج فيه الأسواق بالمتسوقين، فلا تكاد تجد موضعا لقدمك.
وبالعودة إلى موضوع الأضاحي، فكم راق لي ما نشرته هذه الصحيفة عبر صفحتها الأولى في عدد الجمعة الماضي وكشفها لأساليب الغش، وبدوري أجدد المطالبة بتفعيل الدور الرقابي ومؤشر الأسعار، فقد بات البعض عاجزا عن شراء الأضحية بسبب المغالاة في الأسعار، والسبب يعود لغياب دور الرقيب وتلاشي وجود الحسيب!
وقد اطلعت مؤخرا على كلام نفيس لفضيلة الشيخ أ.د سعود بن إبراهيم الشريم يتعجب فيه ممن يبدون امتعاضهم من غلاء أسعار الأضاحي، وأنهم يشترون أجهزة جوال بأغلى من سعر الأضحية. وأتفق مع فضيلته، ولكنني في ذات الوقت أشدد على فرض الرقابة الصارمة على أسعار الأضاحي وإرغام التجار على عدم المغالاة والمبالغة في الربحية.
إننا بهذا الاستقبال غير اللائق نعطّل عيدا ونبقي آخر، وهذا مخالف للشرع المطهر. وهو أمرٌ خطير نأمل أن يتصدى له العلماء والخطباء والدعاة، فيحضوا الذاكرين وينبّهوا الغافلين علّهم يتداركون الأمر، ليتماثل العيدان في الاستقبال والاحتفاء.
وأتساءل: هل الابتهاج بعيد الأضحى إلى الزوال أضحى؟! أين الزيارات في هذا العيد؟! أين تبادل التهاني؟! أين البهجة؟ أين السرور؟! أين وأين...؟!. أسئلة تطرح نفسها والإجابة في ضمائر المنصفين..فهل نراجع أنفسنا ونعيد حساباتنا مع هذا العيد؟