تجلّت نظريّة الفنّ ومقاييسها في الأدب العربيّ بوضوح في الشعر الجاهليّ، فكان بيت الشعر نموذجًا عالي الجودة، ثمّ ما لبثت القصيدة أن تلته في ذلك، حتّى صار الشعرُ ديوانَ العرب.
فتحدّث العرب عن بيت القصيد، وعن قصيدة البيت الواحد، وتكرّست أهميّة الشعر العربيّ بعامّة حتّى قيل فيه هو «علم قوم لم يكن لهم علم غيره».
لهذا كلّه تلقّى العربُ قديمًا القرآنَ الكريم، ومقولة التحدّي فيه، ومن ثمّ إعجازه، على أنّه المقابل للشعر الجاهليّ، وعقدت الذهنيّة العربيّة – بوعي ظاهر أو بوعي مضمر- مقارنات وموازنات بين القرآن والشعر، فقد روي أنّ عمر بن الخطاب سأل لبيد بن ربيعة عمّا أحدثه من الشعر في الإسلام، فقال لبيد: قد أبدلني الله بالشعر سورة البقرة وسورة آل عمران، فزاد عمر في عطائه فبلغ به ألفين.
وكتب الجاحظ كتابًا تحت عنوان (نظم القرآن) وكلمة «النظم» هي من نعوت الشعر النقديّة القديمة التي استقرّت علمًا عليه في قولهم منظوم الكلام مقابل منثوره.
وربّما يكون عبدالقاهر الجرجانيّ استوحى جوهر «نظريّة النظم» المشهورة لديه من هذا الكتاب المفقود من كتب الجاحظ، وما زال الجرجاني يقارب هذا الوعي في كتابيه (دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة) فيتحدّث عن جماليّات النظم القرآنيّ والشعري فيهما معًا مقارنًا وموازنًا.
وما قدّمه الباقلاني في كتابه (إعجاز القرآن) لا يخرج عن تفضيل بلاغة القرآن الكريم على عيون الشعر العربي وعلى أهمّ قصيدة فيه وهي معلّقة امرئ القيس على وجه التحديد.
وممّا يؤكّد سلطة النموذج الفنيّ أو الشعريّ في العمليّة النقديّة في النظر إلى الإعجاز ما ينسبه السيوطي إلى الجاحظ حين يقول: «سمّى الله تعالى كتابه اسمًا مخالفًا لما سمّى العرب كلامهم على الجملة والتفصيل: سمّى جملته قرآنًا كما سمَّوا ديوانًا، وبعضه سورة كقصيدة، وبعضه آية كالبيت، وآخرها فاصلة كقافية»، إذًا فالعرب القدماء لم يعوا النصّ القرآنيّ بعيدًا عن وعيهم الفنّيّ للشعر.