افتتحت فعاليات أعمال ندوة الحج الكبرى في دورتها الـ 39 تحت عنوان «تعظيم شعائر الحج» أمس في مكة المكرمة بحضور مفتي المملكة ووزير الحج بندر الحجار، والرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي عبدالرحمن السديس، وبمشاركة أكثر من 200 باحث.
واشتمل البرنامج العلمي للندوة على ثلاثة محاور، بداية بذكر شعائر الحج مجملة، وتوضيح الأمر بتعظيمها وبيان أسبابه وآثاره.
وذلك من خلال دراسة فقه تعظيم شعائر الحج، حيث يقف المسلم على ما في هذه الأمكنة المباركة من حرمة الزمان والمكان، ومعرفة الأحكام التي بينها علماء المناسك.
وتشير هذه الأبحاث إلى أن شعائر الحج هي أعلام دين الله الظاهرة في المناسك، ومعالمه البارزة التي ندب إليها وأمر بالقيام بها، وذكر الله عندها، أداء لهذا الركن العظيم من أركان الإسلام.
فإن من أسس تعظيم شعائر الحج أن يتجنب كل ما يخل بها، مع الابتعاد عن كل ما يمس الأمن والسلامة في الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة أو يمس أمن الحجاج، لأن ذلك مطلب شرعي أساسي في شعائر الحج، بل إن الإخلال بهذا الجانب يعد من أبرز ضروب الإلحاد في الحرم، كما قال تعالى: {ومن يُرِد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم}.
وبينت وزارة الحج أن الغاية والهدف من عقد هذه الندوات، إبراز الدور الثقافي والحضاري الذي تضطلع به السعودية لخدمة الحج والحجيج، مع التأكيد على دور المدينة المقدسة وأبنائها عبر العصور المختلفة في ترسيخ مبدأ الحوار الفكري الهادئ لقضايا الأمة الإسلامية، من خلال موسم الحج عبر وجود هذه الأعداد الغفيرة من المسلمين، إضافة إلى التواصل العلمي البناء مع المؤسسات والمحافل العلمية والباحثين المتخصصين في معظم دول العالم، وتحقيق المزيد من التعارف بين أبناء الأمة الإسلامية وإرساء قواعد العمل الجماعي الموحد في الرد على الشبهات التي تحوم حول العقيدة والأمة والثقافة.
الحج ملتقى خير وسعادة
المسلم بفطرته معظم لربه لعلمه بأنه رازقه وخالقه من العدم، ومن ذلك تعظيم الأوامر بإتيانها، والمناهي باجتنابها، كما أن شعائر الله هي مناسك الحج، إذ إن معنى الشعائر عام، ولا يمكن حصره على معنى محدد من أعمال الحج، وتعظيم بيت الله الحرام من أهم الشعائر التي يجب على المسلمين عامة والحجاج خاصة أن يولوها جل اهتمامهم وعنايتهم، حيث قال الله تعالى: «ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم».
وقد كان العرب في السابق كثيري الاقتتال والخصام إلا أن الحرم كان في حالة اطمئنان من كل ذلك، إذ قال الله عز وجل: «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ»، فكان الناس قبل الدين في ضلال مبين، حتى أعزهم الله بهذه الشريعة الإسلامية السمحة، فعلى المسلمين في المشاعر المقدسة الابتعاد عن الرذائل والنقائص، بتعظيم تلك المشاعر التي يجتمع فيها المسلمون بغية الأجر والثواب، إذ إن الحج ملتقى خير وسعادة، حيث كان السلف الصالح يلتقون في الحج لتباحث العلم والفضل ونشره، وبغية تلاقح الأفكار، فالحج موسم للتفاهم، وتحصيل المنافع الأخروية والدنيوية، والدين هو الجامع لشتات الأمور.
لنكن صفا واحدا في مواجهة المخاطر التي تحدق بأبنائنا من دعاة الفكر والضلال والانحراف، لضمان سلامتهم من الانزلاق في مزالق المنحرفين الذين يسعون إلى تفريق لحمة المسلمين، واختلاف كلمتهم.
وإن الجهود الجبارة التي تبذلها السعودية في حفظ الأمن والاستقرار وإنشاء التوسعات المتعددة، دليل على اهتمام هذه البلاد والتفاني في خدمة المسلمين وتهيئة كل الظروف التي تسهم في راحة ضيوف الرحمن من الحجاج والمعتمرين».
مفتي عام السعودية، رئيس هيئة كبار العلماء عبدالعزيز آل الشيخ
توعية الحجاج
«تجدد هذه الندوة وتحيي سنة درج عليها السلف الصالح الذين اتخذوا من موسم الحج فرصة نفيسة لالتقاء العلماء من سائر أقطار العالم الإسلامي، مشارقه ومغاربه للتدارس والتباحث وتبادل المعلومات والمعارف ونشرها، حيث تقوم وزارة الحج بتوجيه الدعوة لنخبة من أعلام الفكر والتأليف والتحقيق المسلمين من مختلف أنحاء العالم، ونعمل ما بوسعنا الجهد لنهيئ لهم فرصة الالتقاء والتحاور لتبادل المعلومات وتلاقح الأفكار النيرة.
إن اختيارنا لموضوع تعظيم شعائر الحج موضوع لندوة الحج الكبرى لهذا العام إنما هو استجابة لما سبق أن ورد في توصيات الندوة لأعوام خلت، ويتحقق هذا التعظيم بمعرفة الشعائر وبيان المراد منها وذكر أنواعها وحقوقها ثم القيام بتعظيمها، وهذا التعظيم يوجب أيضا معرفة فقه ذلك، وكيفية تحقيقه وفق ما بينه الأئمة والعلماء الأجلاء الذين يعتد بآرائهم واجتهاداتهم.
ويحدوني أمل وتطلع أن يتفضل المشاركون من الضيوف عند عودتهم إلى بلادهم وفي جعبتهم الكثير مما علق في الذاكرة وما يتمخض من توصيات الندوة لإيصاله بقدر المستطاع إلى الرأي العام، لتبصير حجاج بلادهم الذين يعتزمون مستقبلا أداء النسك، لأنه من المؤكد أن تثقيف الحجاج وتوعيتهم في بلدانهم قبل وصولهم إلى الأراضي المقدسة يسهمان بصورة فعالة في تلافي الأخطاء المحتملة التي تزيد من المشاق لكل الأطراف».
الدكتور بندر حجار وزير الحج
العمل لحلول منطقية
تشرف وزارة الحج على الندوة لتكون ملتقى لعلماء ومفكري الأمة الإسلامية، حيث يجتمعون بما يشكل منظومة معززة بالعلم والمعرفة ومكللة بالرأي السديد والفكر الرشيد، للاستفادة والاستنارة بما يطرحونه ويعرضون له من موضوعات وذلك في إطار جدول أعمال الندوة ومحاورها التي تعالج أوضاعا وأمورا تهم المسلمين وتقوي لحمتهم وتزيد من تعاونهم على البر والتقوى.
وقد درجت وزارة الحج على أن تضع أمام المعنيين الذين يسهمون بالمشاركة جانبا من الهموم والقضايا التي تحتاج إلى تعاون واجتهاد وتوجيه سديد حتى نخلص إلى ما ينبغي التنبيه إليه والاسترشاد به، ومن هذا المنطلق انبثق اختيار تعظيم شعائر الله ليكون عنوانا رئيسا لندوة حج هذا العام بحكم أن ذلك من مقاصد الشريعة الإسلامية السمحة، كما أن هذا الاختيار يأتي متزامنا مع الدعوات المطروحة لتجنب ما يخل بهذا التعظيم، وبخاصة ما يمس أو يعكر صفو الأمن والسلامة في الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة، أو يلحق الضرر بضيوف الرحمن، لأن الأمن والسلامة مطلب شرعي أساسي في كل شعيرة من شعائر الحج.
ويجب علينا أن نتخذ الحيطة خاصة في حجنا الذي يضم عدة ملايين أتوا من مختلف أنحاء العالم، ونعمل الفكر مع تضافر الجهود للتوصل إلى الحلول المنطقية والواقعية وفق مقتضى المفهوم الشرعي المبني على مبدأ أن الحج تراحم لا تزاحم، وأن ندفع بما يطرح من نتائج إلى أوسع نطاق ممكن ليكون في متناول أوساط أمة الإسلام».
الدكتور هشام عباس الأمين العام لندوة الحج الكبرى لعام 1435هـ
توظيف الحج
«بداية نقدم شكرنا وتقديرنا للجهود التي تبذل من حكومة المملكة العربية السعودية للحجاج، تنظيميا وماليا، وعلى أرض وواقع الميدان، سواء في توسعة المطاف، أو توسعة الملك عبدالله للحرم المكي الشريف والساحات الشمالية، إضافة إلى الروح العالية والهمة لدى الشباب العاملين في خدمة ضيوف الرحمن، بنفس راضية مطمئنة، فإكرام الضيف من الإيمان والشيم الخلاقة الحميدة، فكيف باستضافة وفود الرحمن وإكرامهم، ونحن نؤكد أن الحج رحلة إيمانية، فينبغي للحجاج القادمين إلى المشاعر المقدسة التجرد من أي توظيف لهذه الظاهرة الإسلامية في السياسة أو الطائفية والمذهبية، فكما خلعوا ملابسهم لارتداء ملابس الإحرام عليهم أن يخلعوا كل التوجهات التي من شأنها تفريق كلمة المسلمين وتشتيت جمعهم ووحدتهم، فعليهم الاجتهاد في القبول، لا سيما وأن هذه الرحلة قد لا تتكرر لأي أحد من الناس، ما يحتم على الحجاج اغتنامها وعدم التفريط بها، أو تعكيرها بما يخدش روحانيتها وقدسيتها، إذ إن الإسلام ربط الحج بمكارم الأخلاق، حيث قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه».
الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف ورئيس بعثة الحج الرسمية المصرية
تعايش المذاهب
«تعدّ هذه الندوة ناجحة جدا لتحقيقها أهدافا كبيرة من أهمها جمع كل المذاهب الإسلامية على طاولة واحدة، وكانت بمعنى الكلمة شاملة لجوانب مختلفة، لوضعها على طاولة الدراسة والبحث، ما يدفعني إلى تهنئة القائمين على هذه الندوة وهذا المؤتمر، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا لتوحيد الصف الإسلامي الرصين، لنكون خداما لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبناء حضارتنا الإسلامية كما أرادها الله لنا، وأرادها رسولنا عليه الصلاة والسلام.
ومن الممكن أن تترتب على هكذا ندوات عدة مخرجات وتوصيات، من أهمها فهم الحاج معنى مناسك الحج، وأن يتفهم مغزى هذا الحج العظيم، إضافة إلى تعزيز الوحدة الإسلامية، إذ إننا جميعا نصلي متجهين إلى جهة واحدة هي الكعبة المشرفة، وكلنا نجتمع في هذه المشاعر وهذه المواقف الكريمة، ما يوجب علينا التدرب على مواجهة العدو المشترك في مختلف المجالات، كما يمكن أن تحقق هذه الندوات أمرا مهما وهو أن تقترب المذاهب الإسلامية من بعضها بعضا وتبتعد عن الخلافات، والتكفير الذي يرمي به بعض فئات من المسلمين بعضهم الآخر، فيمكننا بهذه الندوات العمل على دحض هذه الأفكار، فمذهب السنة فيه أربعة مذاهب، وفي المذهب الشيعي أيضا عدد آخر من المذاهب، ويمكن من خلال هذه الندوات أن تتعايش تلك المذاهب في جو من الألفة والمحبة والأخوة الدينية، وتتحد في التوجهات الكبرى للأمة».
السيد محمود الموسوي عميد كلية الشريعة بجامعة طهران

