دعت الحاجة إلى التيسير على جموع الحجاج مع ما يشهده الحرم المكي الشريف والمشاعر المقدسة من زحام بشري كل عام، إلى رجوع علماء إلى حجة الوداع لاستنباط مرونة الأحكام وتطبيقها على أرضية الواقع، مستندين إلى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أثناء رده على كل من سأله يوم النحر في تلك الحجة »افعل ولا حرج«، مطالبين الجهات المسؤولة عن توجيه الحجاج والفتوى بالتيسير على الناس وعدم التشديد عليهم في الرخص والأحكام.
وبالرجوع إلى حجة الوداع، وجد العلماء أنها جاءت مشرعة ومنهجية ومراعية لأحوال الناس، وكان فيها كثير من صور التيسير والرخص على من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة رضوان الله عليهم، وعددهم نحو 100 ألف صحابي، حيث أوصى عليه الصلاة والسلام حينها الأمة بقوله »خذوا عني مناسككم«، وعلى هذا الأساس جاءت حجة الوداع دستورا وضياء لمن أراد أداء الفريضة.


لا تكلفوا الناس فوق طاقتهم

حجة الوداع فيها من التيسير واليسر ورفع الحرج، حيث خطب النبي صلى الله عليه وسلم في الناس خطبة يسيرة وشاملة في كل الجوانب، ولم تأخذ من الوقت الشيء الكثير، وينبغي على الخطباء اتباع النبي عليه الصلاة والسلام في خطبهم بحيث تكون ميسرة ومختصرة حتى لا يتململ الناس، وبخاصة الذين يجلسون لاستماع الخطبة وهم في الشمس والجو حار وشاق عليهم، إضافة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع دستورا جميلا بقوله (أيها الناس إن دماءكم وأعراضكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت اللهم فاشهد، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها).
والتسهيل والتيسير أكثر ما يميز حجة الوداع لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما جاءه سائل يسأله عن شيء إلا ويقول له (افعل ولا حرج) كالسائل عن الطواف قبل الرمي، وكذلك سائله الذي استفسر عن أنه حلق قبل الرمي، وغير ذلك، وهذا يدل على التيسير والتسهيل على الناس، وجعل من ذلك شعارا لا بد لنا من الالتزام والاقتداء به.
ومن أهم الأشياء التي وقعت في حجة الوداع، حديث عروة بن مضرس الطائي (قال جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموقف، فقلت جئت يا رسول الله من جبلي طي، أكللت مطيتي وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، هل لي من حج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدرك معنا هذه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا، تم حجه) وهذا الحديث يدل على التيسير والتسهيل في مناسك الحج، وما يفعل بعض طلاب العلم هذه الأيام من التشدد في الفتوى وتكليف الناس فوق طاقتهم على النقيض من ذلك الحديث، فحجة الوداع نبراسا ونورا للمسلمين جميعا، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم (خذوا عني مناسككم).

الدكتور حسن حجاجي عميد معهد إعداد الأئمة والدعاة بمكة المكرمة


افعل ولا حرج

هذا الدين الإسلامي بني على التيسير واليسر والرحمة، وقال الله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) وهذه الآية نزلت في حجة الوداع، لإعلان يسر الشريعة وسلاستها، فالمتأمل في أفعال النسك يجدها تيسيرا على الناس وليست تعسيرا عليهم، فمن الوجوه الدالة على التيسير في الحج عندما قدم قدح من لبن للنبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف في مشعر عرفة فشرب منه النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على عدم جواز الصيام للحج يوم عرفة.
وكذلك من أوجه الرخص التي جاءت في حجة الوداع، عندما نفر الناس من عرفة إلى مشعر مزدلفة كان النبي صلى الله عليه وسلم ينادي «السكينة السكينة» وذلك لكي لا يتضرر كبار السن والعجزة، ومن هذا تيسير ووصايا لمن هم في الحج من العجزة والمعاقين في وجوب مراعاتهم وعدم مزاحمتهم وبخاصة من الأصحاء فعليهم اللين واللطف بمثل هؤلاء.
كما أنه عليه الصلاة والسلام في مزدلفة لم يعمل عملا كثيرا إنما جمع بين صلاتي المغرب والعشاء، ثم ارتاح بعدها، لعلمه أن الناس قد تعبوا في عرفة، فتكون مزدلفة راحة للجميع.
ومن صور الرحمة والتيسير في حجة النبي عليه الصلاة والسلام، الإذن للسقاة والعجزة بالسير إلى مشعر منى من مزدلفة بعد منتصف الليل، وذلك للتيسير عليهم وإبعادهم عن الزحام.
وكذلك الرخص في حجة الوداع حيث لم يأت إليه سائل يسأله عن أمر من أمور النسك، إلا ويقول له النبي صلى الله عليه وسلم «افعل ولا حرج»، وكل ذلك من التيسير على الناس.
والعلماء كان لهم الدور الرئيسي في الاجتهادات والتيسير بما يوافق الشرع، حيث أفتوا بجواز النوم في غير مشعر منى أيام التشريق إذا تعذر وجود مكان للمبيت فيه، وكل ذلك من سماحة الشريعة.
وأنصح الناس الذين يطوفون سنة في الحج أن يؤجلوه إلى ما بعد ذلك، لإتاحة المجال للطواف، وهو الركن الذي يقومون به الحجاج لإتمام نسكهم.

الدكتور خالد باجحزر أستاذ الشريعة بجامعة أم القرى


يسروا كما فعل النبي ولا تشددوا

هنالك كثير من الأمور التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع للتسهيل والترخيص على الناس، من ذلك حديث بن مضرس (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدرك معنا هذه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا، تم حجه).
ونرى في عرفة محاولة ردع الناس لكي لا يدفعون إلى مزدلفة إلا بعد شروق الشمس، وهذا الأمر مندوب وليس بواجب، وفي ذلك تجمع لحشود كثيرة من الناس وما يترتب عليه من مشاحنات في بعض الأحيان.
كما أنه في مشعر مزدلفة، رخص عليه الصلاة والسلام لأهل بيته في الدفع إلى منى بعد منتصف الليل، وحتى إن الخروج من مزدلفة لم يرد فيه نص صريح وإنما هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهو خير مندوب.
ومن الأمور الأخرى التي فيها تيسير، عدم النوم في منى يوم التروية، ولا يرى فيه العلماء شيئا، كما جاء في إذن النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس في السقاة والرعاة، كذلك أذن لهم ورموا في ثاني أيام التشريق عن اليوم الذي فاتهم ألا وهو اليوم الأول من أيام التشريق، حيث كانوا غير موجودين لإذن النبي صلى الله عليه وسلم لهم.
ونتمنى من الجهات المسؤولة عن توجيه الحجاج والفتوى، أن ييسروا على الناس ولا يشددوا عليهم، فالنوم مثلا يوم التروية وأيام التشريق ليس واجبا لرخص النبي صلى الله عليه وسلم وعدم أمره بجبر شيء أو ندبه.
وللحاج رمي جمرة العقبة يوم التروية قبل طلوع الشمس لعدم تحديد التوقيت بحديث صريح وكذلك إذنه لأهله، وحديث عائشة وحديث بن عباس «لا رمي إلا بعد طلوع الشمس» حديث ضعيف لأن النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر، ما من سائل يسأله إلا وقال له افعل ولا حرج.

الدكتور أحمد قاسم الغامدي باحث إسلامي


وردت رخص كثيرة

الرخص التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كثيرة جدا، منها ما يتعلق باللباس، وأخرى تتعلق بأماكن الحج، كما أن بعضها يتعلق بأفعال الحج، فقد رخص لمن لم يجد النعلين أن يلبس الخفين، ولمن لم يجد الإزار أن يلبس السراويل، وفي إيجاب الفدية عليه خلاف بين أهل العلم، ورخص لمن لم يستطع الوقوف بعرفة نهارا أن يقف بها ليلا ولو لحظة، وللحاج في الجمع بين صلاتي الظهر والعصر جمع تقديم حتى يتفرغ الحاج للدعاء والوقوف، وفي الجمع بين المغرب والعشاء جمع تأخير، وللضعيفة والنساء ومن يقوم على خدمتهن بالدفع من المزدلفة بعد منتصف الليل، وللسقاة والرعاة بترك المبيت بمنى ليالي التشريق، وفي تقديم أعمال يوم النحر، وهو يقول لمن سأله (افعل ولا حرج).
كما رخص لمن لم يجد الهدي أن يصوم عنه عشرة أيام، ولمن كان به أذى من رأسه أو أظفاره أو احتاج إلى فعل شيء من محظورات الإحرام أن يفعله ويفدي فدية الأذى صيام أو صدقة أو نسك، ولمن تعجل في يومين أن ينفر من منى قبل مغيب الشمس من ثاني أيام التشريق، وللمرأة الحائض والنفساء بترك طواف الوداع، وتأخير طواف الإفاضة وجعله وداعا للبيت، وبتقديم سعي الحج مع طواف القدوم وكل هذه الرخص ثابتة بالسنة الصحيحة.

الدكتور ناصر محمد الغامدي أستاذ الفقه والسياسة الشرعية بجامعة أم القرى


خذوا عني مناسككم

أوصى رسول الله في حجته بحفظ الأمن وحرمة الدماء والأموال والأعراض وألا يقتل المسلمون بعضهم بعضا، وأمر بالسمع والطاعة والنصح لولاة الأمر ولزوم جماعة المسلمين.
والحج ركن الإسلام الخامس، وقد أمر رسول الله أبا بكر الصديق على الحج، فنزلت سورة براءة على رسول الله عليه الصلاة والسلام فأرسل بها عليا وألحقه بأبي بكر فنادى في الحج بهذه السورة وأنذر المشركين ونادى في الناس هو والصديق وغيرهما من الصحابة بآيات براءة، وقد أسهمت سورة براءة وإنذار المشركين في تلك الحجة إلى انتشار الإسلام في مكة وما حولها ولم تأت حجة الوداع إلا وقد أسلم كل أهلها.
وكانت حجة الوداع هي الحجة الأولى لرسول الله في الإسلام بعد فرضه على المسلمين، وتسمى حجة البلاغ وحجة الإسلام وحجة الوداع، لأنه عليه الصلاة والسلام ودع الناس فيها ولم يحج بعدها.
وشاء الله أن تكون حجة رسول الله خالصة من مظاهر الشرك والوثنية نتيجة للبراءة من المشركين وإنذارهم ومنعهم من الحج.
وكانت الأمة قد عرفت شرائع الإسلام عن رسول الله عدا الحج، ولذا دعا رسول الله عليه الصلاة والسلام المسلمين للحج معه وقال: «خذوا عني مناسككم»، فاجتمع للحج معه وأخذ المناسك عنه نحو مئة ألف حاج ائتموا به وعملوا بعمله، والأمة الآن تحج على صفة حجة الرسول.
ومن أهم ما يذكر في حجة رسول الله إلى جانب تعليم الناس مناسك الحج وهديه، مبادئ الإسلام ومعالم الشريعة التي أعلنها عليه الصلاة والسلام في خطبه بموسم الحج ومن أهم ما دعا إليه وأمر به في خطبته بعرفه وفي أوسط أيام التشريق، حفظ الأمن بعدم قتال المسلمين بعضهم بعضا، وحرمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم وتحريم الظلم والربا، ومظاهر الجاهلية الباطلة، وأوصى الأمة بالتمسك بكتاب الله والسنة، كما أوصاهم بالنساء، وأمرهم عليه الصلاة والسلام بالسمع والطاعة لولاة الأمر ما أقاموا كتاب الله، والنصح لهم ولزوم جماعة المسلمين.
كما شهدت هذه الحجة في عشية يوم الجمعة بعرفات نزول قول الله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)، مما دل على قرب أجله عليه الصلاة والسلام وانتهاء الرسالة، وقد أشهدهم على أنفسهم أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة صلى الله عليه وسلم.

الدكتور عبدالله حسين الشريف أستاذ التاريخ بجامعة أم القرى