علاقة الإنسان بالزمان علاقة نفسية عميقة فيها أسرار وخفايا، ولواعج ومشاعر، وفرح وسرور وحزن وضيق، وفيها سمو وتحليق وسعادة، كما أن بها انطفاء وانكفاء وألما، فالزمن وعاء الذكريات وموضع الأحداث، بل هو مستودع الحياة بكل ما فيها، وربما طال وامتد وثقل فكان بذاته عذابا من العذاب حين تمتطيه المصائب وتحل فيه الآلام والمصاعب، وربما خف وأشرق وراق وقصر حين يصبح محلا للسعادة والسرور والأنس.
ولو سرنا في سبر هذا المعنى وتذوقه لدى الأدباء والشعراء والسمار والأصحاب لضاق عن ذلك هذا الموضع، ولكن المقصود هنا هو الإشارة إلى معنى جميل أخاذ جاء به الإسلام في نصوص صريحة واضحة تضمنت الربط بين أزمنة محددة وأعمال مطلوبة، وجعلت لهذه الأزمنة شأنا عظيما وقدرا متميزا تعلو بسببه أجور الطاعات ويرتفع قدرها، وهي مواسم متكررة اصطلح العلماء على تسميتها بالأزمنة الفاضلة ومن أشهرها العشر الأواخر من رمضان، وليلة القدر منها على وجه الخصوص، وشهر رمضان نفسه، وعشر ذي الحجة، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم الجمعة وغيرها.
ولعل الحكمة في تخصيص بعض الأوقات بالفضل هو أن النفس البشرية قد طبعت أصلا على اصطناع علاقة نفسية خاصة بأزمنة معينة في حياة الإنسان، يفرح في بعضها ويحزن في أخرى فيحب الأولى ويكره الثانية لارتباطها بتلك الذكريات، وقل أن يسلم إنسان من استدعاء هذه الذكريات عند مرور أزمنتها، ومع أن الشريعة حذرت من الربط المتجاوز في هذه العلاقة حتى لا يصل إلى حد التشاؤم والتطير إلا أن قدرا منها يبقى حاضرا بحكم الطبيعة البشرية.
ولذلك فتح الشرع بابا جديدا في هذه العلاقة العجيبة بين النفس والزمن بتفضيل أزمنة معينة وتخصيصها بمكانة ليست لغيرها في الأجور والبركات، لتتحول هذه العلاقة إلى سعي لتحصيل مزيد من الطاعات والصالحات وتغدو هذه المحطات الزمنية محلا للسرور والأمل العظيم بتحصيل الأجور، يعوض بها المرء تفريطه في أزمنة طويلة ماضية ويعيد بها شحن طاقته النفسية، فتتجدد نفسه وتبتسم أيامه وتنشط همته فيقبل على الله تعالى بكل جوارحه ومشاعره، ويبقى شوقه وحنينه إلى هذه الأيام حيا كلما مرت وانقضت.
ونحن في هذه الأيام نبحر في إحدى هذه المحطات الزمنية الفاضلة وهي عشر ذي الحجة فهل شعرنا بذلك وقدرنا له قدره؟