يوما بعد يوم يثبت خطباء المساجد أنهم ليسوا بمعزل عن الوقوع في الخطأ والتجديف ضد المجتمع وهم تحت تأثير الحماسة وضغط الجماهير، إما باستخدامهم عبارات لا ينبغي أن تكون ضمن خطبهم، أو محاولة تمريرهم لأفكار شاذة إلى ذهن المتلقين ولو قصرا.
الجمعة الماضية في مسجدنا كانت خليطا من هذا وذاك، عندما بدأ الإمام خطبته بالحديث عن فضل العشر الأوائل من ذي الحجة، ومن ثم عمل مقاربة بينها وبين العشر الأواخر من رمضان، وختمها بوصم جميع مذيعات الأخبار بالفسق والفجور.
هذا الحديث غير العقلاني في شقه الأخير استفزني بشكل كبير، لا لسبب سوى لأنه تجنى على زملاء مهنة أعرف عن تفريط بعضهم، إلا أنه لا يصل لمرحلة الفسق والفجور.
وخلافا لطبيعة العلاقة التي تربطني بالإمام منذ أكثر من 27 عاما، فضلت ألا يكون حديثي معه مباشرة بعد الصلاة أمام المصلين، فأرسلت له رسالة نصية على هاتفه الجوال نبّهته فيها إلى تجنيه على الإعلام والعاملين به.
وكنت أنتظر منه الاعتذار عن هذه السقطة والتنويه عن ذلك في خطبته المقبلة، إن أمكن، وخاصة أن حديثه كان مرتجلا وليس من الورقة المعدة للخطبة.
إلا أني فوجئت برده التالي المستند على قول للرسول الكريم «خير نسائكم الودود الولود المواتية المواسية إذا اتقين الله، وشر نسائكم المتبرجات المتخيلات، وهن المنافقات.
لا يدخل الجنة منهن إلا مثل الغراب الأعصم».
رواه البيهقي، وصححه الألباني في صحيح الجامع.
الأكيد أنني لست بصدد المناقشة حول إسقاط معنى الحديث على ما ذكره الإمام في خطبته، ولكني أجد صعوبة في تقبل فكرة أن يتخذ الخطيب منبر الجمعة لتصفية حساباته الشخصية، أو لتوسيع الهوة بين مكونات المجتمع الواحد، في وقت هو مطالب بانتقاء مواضيع خطبته ومفرداتها لزيادة أعداد مريديه في مقابل مخالفيه، وهذا لا يتم باستفزاز جهة لصالح أخرى أو تفسيق فئة انتصارا لأخرى.
ولعلي أتذكر قصة تشخص هذا الحال.
أثناء إقامتي في بريطانيا كان خطيب مسجدنا طالب دكتوراه كويتيا، وهبه الله ذكاء وحضورا طاغيا، جعله سببا في هداية الكثير من الشباب ممن كانوا مفرطين في العبادات، وأصبحوا بفضله من المداومين على تأدية الشعائر، ويزاحمون المصلين في جميع الفروض.
الشاهد أن هذا الخطيب بعد أن أنهى دراسته وعاد إلى وطنه، خلفه آخر سعودي، يكفي القول إنه نجح بامتياز في إبعاد المصلين عن المسجد، إلا من نفر قليل ممن لا يجيدون العربية.
الأكيد أن منبر الجمعة أحد أخطر المنابر التي يمكن أن يحصل عليها الإنسان، وخاصة أن الخطيب يكون في مواجهة مباشرة مع المتلقين دون رقيب أو حسيب إلا من ضميره وأمانته، ولذلك ينبغي قبل اختيار رواد المنابر وضع المعايير الصارمة التي تكفل عدم انجرافهم أو انحرافهم عن جادة الطريق..فهل لدينا من المعايير ما يحصن منابرنا؟

 

[email protected]

alnowaisir@