»كلما سمعت كلمة مثقف أتحسس مسدسي« عبارة تنسب عادة لوزير الدعاية السياسية جوزيف جوبلز في ألمانيا النازية، وأحد أبرز أفراد حكومة أدولف هتلر لقدراته الخطابية، مع أنه كان من المعارضين لعضوية هتلر في الحزب عندما تقدم الأخير بطلب للعضوية، إلا أنه غيّر وجهة نظره تجاه هتلر فيما بعد وأصبح من أنصاره بل وأحد موظفيه.
الصراع الأزلي بين المثقف والسياسي يأخذ أبعادا برغماتية أحيانا وتصادمية أحيانا أخرى، ذلك لأن المثقف هو الكائن الذي يعري السياسة ويكشف عوراتها التي تقوم على المصلحة والمنفعة بعيدا عن القيم الأخلاقية، في حين أن الثقافة تدعو للحياة المثالية والمبادئ الإنسانية، ومن هنا كان التصادم والتنافر بين السياسة والثقافة.
فإذا كانت وظيفة المثقف أن يحلم، فوظيفة السياسي تحقيق الحلم، ولكن هذا بعيدا عن واقعنا العربي، لتأزم العلاقة بين المثقف الحقيقي والسياسي الذي يدرك أن الثقافة تنهض بوعي الشعوب وتفتح مداركهم وتوعيهم بواجباتهم، وهذا ما يقلق بعض السياسيين، الذين كرّسوا مفهوم التسلط السياسي، مستخدمين أدوات عدة تساهم في أدلجة المشهد الثقافي وفق ما يرونه مناسبا لتوجهاتهم التي تضمن بقاءهم.
لذلك ظلت العلاقة متأزمة بين هذين القطبين لاستقلالية المثقف الذي يرى أن أي التصاق بالسلطة قد يلوّث ملامح تجربته الثقافية، ولإيمانه بأن الثقافة ترفض كل أنواع السلطة التي تتحول إلى تسلط وقمع للفكر الحر، الذي لا يمكن أن تؤطره النظم المدنية أواللوائح العسكرية.
الدكتور محمد خير البقاعي الباحث التاريخي يرى أن علاقة المثقف بالسياسي أو المثقف بالسلطة علاقة جدلية ما زالت منذ نشوء المفاهيم في حالة مد وجزر.
فالمثقف يقتضي مفهومه أن يكون مسار تنوير يسلكه المتأثرون به، لإعلاء قيم الإنسانية والاعتدال بعيدا عن الوحشية والتطرف، وهذه هي الثقافة الحقة.
أما السياسي فهو نفعي بطبعه يريد لسياسته أن تسود وفي بعض العقليات السياسية بأي ثمن كان، وهذا ما نجده في عبارة وزير هتلر الذي يتحسس مسدسه عندما يسمع كلمة مثقف لأنه عقلية دكتاتورية عنصرية تؤمن بثقافة توافق ميوله، مضيفا أن المثقف في واقع الأمر مثقفان: براغماتي يساير السلطة القائمة، ومثقف مسؤول يؤمن بأن الثقافة وسيلة تنوير ومعيار حقوق ودافع عدالة وهذا لا يهادن السياسي أو السلطة حتى لو كان على حساب حياته وحريته، لافتا إلى أن المغريات التي يقدمها السياسي تجعل المثقف عرضة للانزلاق بعيدا عن مبادئه في كثير من الأحيان، مختتما حديثه بالتأكيد على أن المثقفين الحقيقيين هم رؤية تقويم وهداية للسلطة عندما تحيد عن أصول الحكم.