أشعر بالإحباط عندما أقرأ أن هناك مسؤولا قام أو سيقوم بزيارة أو جولة تفقدية مجدولة ومُعلنة يصحبه خلالها جيش من البطانة يتنافسون في إبراز (قصب البشوت الحساوية الأنيقة)، فتشعر أنك أمام (جاهيّة قبلية) متلبسة للبروتوكول الرسمي.
ومن خلال معايشتي لهذه (الأشياء) فإنني لا حظت أن السمة البارزة لم تتغير ولم تتطور - وللأسف - لن تموت، وأقصد بالسمة الخداع الفج والكذب (الأكحل) الذي يمارسه الجميع، فالزائر يكذب ويقول إن زيارته للوقوف على الخلل وأوجه القصور، والمُضيف (هكذا يُقال: المسؤول في ضيافة الجهة الفلانية)، أقول والمُضيف أيضاً يكذب على الزائر، ويبتعد عن قول الحقيقة، ويخمّن ماذا يريد المسؤول أن يسمع كي يقوله له، ولهذا فور مغادرة المسؤول يتحلّق الموظفون حوله ليسألوه عن انطباع المسؤول، وفي الغالب تكون الإجابة: (طويل العمر طلع من عندنا مبسوط)، وفي المحصلة كل طرف يعرف أنه كذب على الآخر.
ليس هذا فحسب، بل إن كل طرف يعرف أن الطرف الآخر يعرف أنه يكذب، أعرف أن جميع القراء لديهم من حكايات من الطرافة عن الزيارات ما يندى له جبين المرء خجلاً (باستثناء المسؤول طبعاً)، فكلنا ذاك الشخص (الذيب) الذي استعان بمعارفه وأصدقائه واستدان منهم التجهيزات الضرورية كي يكون كل شيء جاهزاً مع وصول الزائر الكريم، طبعاً من السذاجة القول بأن المسؤول خُدع بهذا التصرف، فالمسؤول هو (الذيب) الذي كان في يوم ما يجلب التجهيزات الضرورية كي لا يلحظ الزائر القصور!
طيب، ليسأل أحدكم بانفعال: ولماذا يحدث هذا؟
للإجابة عن هذا السؤال سـ(نسولف) من مبدأ (كلّنا عيال قريّة)، وبعيداً عن فلسفة النظريات، وعن جلد الذات (فهذه الأخيرة قد يورطنا القيام بها في مشكلة مع هيئة الحياة الفطرية، كون الذات مهددة بالانقراض)، وقد يكون السبب إنسانيا بحتا، مهما كان موقفنا منها ففي النهاية (الجلد في الميت حرام)!
أعرف وتعرفون أن البديهي لمعرفة القصور والسلبيات هو سؤال المستفيد من الخدمة (المواطن)، وليس مُقدم الخدمة هو الذي يُقيّم عمله، ولفهم هذه العملية المعقدة في عملنا الإداري يجب ألا ننسى الكلمات التي أتت في مقدمة المقالة، واستعمالها كرموز تساعدك لفهم (النُص كم الحاصل)، وأقصد بالرموز الكلمات (بشت، بطانة... إلخ)، فلو (ابتلي) المسؤول بمدير عموم - مثلاً - صادق ولا يجيد الخداع، ثم فوجئ الزائر بأن هذا المدير يجلس في مكتب متهالك و(أثاث) بسيط، والتكييف سيئ، والموظفون يجلسون على كراسي خشبية بائسة، والمكان بشكل عام غير مهيأ للعمل، فسيسأل الزائر هذا المدير عن هذه (الفوضى)، ولأن المُضيف صادق، فإنه سيوضح له أنه طلب أكثر من مرة وقُوبل طلبه بالتهميش، وأنه يعمل حسب الإمكانات التي وفرت له، (وقتها سيستل الزائر قلمه ويطلب ورقة تأتيه قبل أن يرتد طرفه إليه ليكتب للشؤون الإدارية والمالية: اعتمدوا تأمين كل النواقص خلال 24 ساعة وسآتي غداً للتأكد من وجودها). أعتذر عزيزي القارئ منك، لقد كذبت عليك، فما بين الأقواس لم يحدث، لكنني كتبتها كي أدع لصباحك مجالا للتفاؤل، الحقيقة أن الزائر سيخرج مزمجراً، وسيتطوع مرافقوه لشتم هذا (الردي) الذي تخلى عن أبسط أدبيات الضيافة، وأساء للمسؤول الذي بذل كل جهوده للتطوير، وبعد أشهر سيُعفى المدير الذي (فشّل) الخداع، ويُقال إنه وُجد بعد أشهر يغرّد بتويتر عن (حبل الكذب) الذي أقنعته الأمثال الخادعة بأنه قصير، لكن في الواقع أن (الكذب - الأنيق - مصعد كهربائي)!
أخيراً همسة صادقة للمسؤول (رغم أنها غير مناسبة لبروتكولاته): لا داعي لتكبّد عناء الزيارات وحفاظاً على صحتكم من (البخور والكوليسترول)، إذا كنت تريد معرفة القصور وكشف الخلل والسلبيات اسأل المواطن من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وأُقسم لك أنك ستعرف كل ما تُريد، لكن تحمّل صدق الناس، هل تمتلك الشجاعة؟