ما ذكره أمير قطر الشيخ تميم بن حمد، في حديث لشبكة CNN عن طلب واشنطن من والده حث “حماس” على المشاركة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في الأسبوع الأخير من شهر يناير 2006 لم يفاجئ المحللين السياسيين الفلسطينيين، وكاتب هذه السطور واحد منهم.
فقد كتبنا في حينه، أن الأمريكيين، بتفاهم مع إسرائيل، يدفعون الأمور في اتجاه مشاركة “حماس” التي قدروا أنها ستحقق فوزاً بأصوات أعلى مما حققت فعلاً. وكانت قيادة السلطة والمنظمة، تتوقع فوز “حماس” لسببين رئيسيين، الأول عدم رضاء جزء كبير من الناس عن أداء هذه السلطة منذ أن تأسست في العام 1993، والثاني أن “فتح” مشتتة وستتوزع أصواتها.
وبالفعل فازت “حماس” بعدد أصوات لا يصل إلى عدد ما حصل عليه الفتحاويون من القوائم الرسمية لحركتهم ومن الأصوات التي حصل عليها فتحاويون آخرون. وبالنتيجة كانت “فتح” ككتلة، أقل حصاداً وكان ذلك متوقعاً، وإن كان مجموع أصوات منتسبيها أعلى.
لماذا أصر الأمريكيون على أن تجرى الانتخابات في موعدها ورفضوا الاقتراح الفلسطيني بتأجيلها؟ ولماذا استجابوا هم والإسرائيليون للمطلب الذي ألحت عليه السلطة وظنت أنه تعجيزي عندما اشترطت أن يسمح المحتلون بإجراء الانتخابات في القدس الشرقية وهو ما يرفضه الإسرائيليون من حيث المبدأ؟! لقد فاجأوا السلطة بالاستجابة، إدراكاً منهم أن الاشتراط كان للتعطيل، فلماذا ضغطوا لكي تجرى الانتخابات في موعدها وقبل أن تستجمع “فتح” صفوفها؟
كانت “حماس” مطلوبة للمشاركة ومطلوبة للفوز، وقد تهيأ الأمريكيون والإسرائيليون لأحد سيناريوهين لسلوكها بعد الفوز: أن ترفض العملية السلمية بالمطلق، وتدفع الأمور إلى تأسيس سياق آخر غيرها، أو أن تتصرف بواقعية ومسؤولية فتتريث ويتبدل خطابها ليصبح مناسباً لتحمل المسؤولية عن شعب ومجتمع وقضية ويحاذر!
السيناريوهان كانا مفيدَيْن لإسرائيل ولأمريكا. الأول سيكون مردوده على الإسرائيليين، الحصول على التأكيد الدامغ الذي يحتاجونه، وهو عدم وجود شريك فلسطيني، وسيقولون لمن يكذبهم: اسألوا “حماس” الفائزة التي تحكم، هل تقبلوننا شريكاً في عملية سلمية؟ وسيأتيكم الجواب فوراً: كلا وألف كلا. وعندئذٍ ستحصل إسرائيل مجاناً على خمس سنين تحتاجها لاستكمال بناء الجدار العنصري، ووصل مستوطنة “معاليه أدوميم” وسائر المستوطنات التي تخنق القدس بالمستوطنات التي تقع شرقها، وتسد الفجوات باستيطان مكثف، دون أن يلومها أحد في العالم بسبب كلا وألف كلا!
أما الفائدة الأمريكية، فهي أن “حماس” ستتبدى في العالم الإسلامي كأيقونة جهادية، فتصبح الجديرة برجحان كفتها على كفة “السلفية الجهادية”. ومعلوم أن هذه الأخيرة، في حال اشتباك مع الأمريكيين، وشتان عند المسلمين بين من يقاتلون في “أرض الرباط” ومن أجل قضية، ومن يقتلون في غير سياق ويحزّون الرؤوس بالسكين ولا تُعرف لهم قضية محددة، فلو عرفت لهؤلاء قضية لكانوا عصبة واحدة وليسوا ألوية وكتائب وجبهات منفصلة عن بعضها البعض وتحارب بعضها بعضاً.
بعدئذٍ سيتولى المحتلون فتح حرب مديدة مع “الأيقونة” يتاح لهم أثناءها إيلام حاضنتها الاجتماعية في العمق، بالقتل والحصار.
سيناريو الاحتمال الثاني، أن تتصرف “حماس” بمسؤولية وواقعية، وقد أعدت لهذا الاحتمال تدابير أخرى، قوامها أن يأتي دور “الجماعة” لتدويخها مثلما جرى تدويخ الحركة الوطنية الفلسطينية وجعلها في نظر الكثيرين رزيّة من الرزايا، يثقل عليها عبء الاعتراف بإسرائيل والتنسيق الأمني معها. بل إن اعتراف “حماس” بإسرائيل، في حسابات الأخيرة سيكون أهم من أي اعتراف عربي يقدمه الساسة سراً أو علانية، لسبب لا علاقة له بالأوزان وإنما لأن اعتراف “حماس” بإسرائيل سيكون اعترافاً للمرة الأولى من حركة أيديولوجية عربية وفلسطينية، وهذا مهم وأبلغ بالنسبة لهم!
لكي يتهيأ المشهد لتلك اللعبة المعقدة، دفعت تل أبيب وواشنطن الأمور و”الأصدقاء” لكي يضغطوا ولكي تفوز حماس وتحكم!