تواجه صناعة التبغ عالميا تحديات عدة أدت في 2013 إلى خفض حجم مبيعات السجائر على المستوى العالمي بنسبة 4% وتتوعد القطاع مستقبلا بالزوال وفقا لشركة البحوث الاقتصادية يورومونيتور.
ولاحظ الخبراء التراجع العالمي منذ 2010 باستثناء الصين ويتوقعون انخفاضا يقدر بنحو 5 % في أوروبا خلال السنوات الثلاث المقبلة، وفي هذا السياق تتوقع شركة فيليب موريس انخفاض مبيعاتها العام الحالي بنسبة تتراوح بين 2 - 3% في جميع أنحاء العالم.
ويعتقدون أن صناعة التبغ محكوم عليها بالزوال وبهذا الصدد يقول رئيس جمعية مكافحة التدخين أوكسيروماندي، باسكال ديثيلم: مرحلة التراجع بدأت، وتنبأت شركة الخدمات المالية الأمريكية سيتي غروب باختفائها بحلول 2045 وهناك شركات متعددة الجنسيات تطور منذ 50 عاما منتجات هجينة دون نتائج، لأن السيجارة التقليدية هي صلب عملهم.
شركات التبغ لا تتفق مع ما يراه الخبراء ويرد المتحدث باسم شركة التبغ اليابانية الدولية في جنيف غي كوتي عليهم قائلا: تراجع صناعة التبغ أُعلن عنه في مناسبات عديدة على مر التاريخ، وبصرف النظر عن الأزمة الاقتصادية الأخيرة، لا نرى أي سبب للقلق، النمو الديمغرافي العالمي إيجابي وهنالك دائما مجال لتحقيق نمو متين، مشيرا إلى تركيز الشركات متعددة الجنسيات اهتمامها على القارة السمراء التي تشهد نموا ديمغرافيا سريعا وملفتا، وكذلك آسيا حيث يعتمد الشباب أساليب الحياة الغربية.

 

تطوير منتجات ذات مخاطر محدودة

تخوض صناعة التبغ أمام تراجع مبيعات السجائر التقليدية، معركة بلا هوادة لتطوير ما يسمى بـ”المنتجات ذات المخاطر المحدودة”، وفي سويسرا تتمتّع هذه الصناعة بحضور قوي مستفيد من دعم أكيد داخل الطبقة السياسية ولكن هذه المساندة لن تكون كافية لوقف تدهور القطاع وفقا لتوقعات الخبراء.
وتقوم شركة فيليب موريس بتطوير البدائل الأقل ضررا من السيجارة التقليدية بمركز بحوثها في كانتون نوشاتيل السويسري مستثمرة ملياري دولار لتطوير واختبار سيجارتها الالكترونية الجديدة “iQos” الهادفة إلى تجنب الآثار الضارة الناجمة عن حرق التبغ وستطرح تدريجيا بالأسواق في نهاية 2014 متوقعة بيع 30 مليار نسخة منها بحلول 2016 وأن تدر أرباحا سنوية تناهز 700 مليون دولار.
وبعد موجة من عمليات الإندماج والاستحواذ في تسعينات القرن الماضي والعقد الأول من الألفية الثالثة، هيمنت على سوق السجائر الدولية أربع شركات متعددة الجنسيات هي: فيليب موريس إنترناشيونال، التبغ البريطانية الأمريكية، اليابان الأمريكية للتبغ وإمبريال توباكو ومع ذلك تظل شركة التبغ الوطنية الصينية التي تحتكر بشكل تام تقريبا مبيعات التبغ بالصين أول منتج عالمي للسجائر.
المتحدث باسم فيليب موريس إيرو أنطونيادو قال لوكالة سويسرية: صناعة التبغ تمر بعملية تحول واستبقنا ذلك عندما بدأنا العمل قبل 10 أعوام على تطوير منتجات يحتمل أن تكون قادرة على تقليل المخاطر ومنتج مارلبورو ليس وحيدا في حلبة السباق.
وأضاف: جميع الفاعلين في القطاع يسعون إلى الظفر بكنوز السيجارة الالكترونية ومنتجات التبغ القابلة للتسخين وأجهزة استنشاق النيكوتين أو بخاخات التبغ في محاولة للالتفاف على تشديد التشريعات الخاصة بالسجائر التقليدية.


السيجارة الالكترونية رهان الشركات

يقول أستاذ الصحة العالمية في جامعة جنيف جون فرانسوا إتير: شركات التبغ تريد بأي ثمن تجنب مصير كوداك التي اختفت بعدما فوتت فرصة الانتقال من الصورة التناظرية إلى الصورة الرقمية لهذا ليس لديهم خيارا آخر سوى مواكبة التكنولوجيات الجديدة ولئن اقتضى الأمر ابتلاع علاماتهم التجارية الرائدة.
وتستحوذ فيليب موريس الرائدة عالميا في مجال التبغ والمنتجة لسجائر مارلبورو وتشيسترفيلد وموراتي على 28% من سوق السجائر الدولية إذا ما استثنينا الصين وتوظف الشركة 3 آلاف بسويسرا.
ويقع مركز عملياتها العالمي بمدينة لوزان بكانتون فو ولها مركز إنتاج وأبحاث هام في كانتون نوشاتيل ويعمل حاليا في هذا الموقع 1500 شخص وخرجت منه ما لا يقل عن 24 مليار سيجارة في 2014 و80% من إنتاجها موجه للخارج.


35 مليار دولار الأرباح السنوية

تقدر الأرباح السنوية لأكبر ست شركات التبغ متعددة الجنسيات بـ35 مليار دولار وللاستمرار في تحقيق أقصى قدر من الربحية وتوزيع إيرادات متزايدة القيمة على المساهمين لا يتبقى لهذه الصناعة سوى خيار رفع ثمن السجائر غير أن هذه الإستراتيجية ليست مستدامة فعاجلا أم آجلا سيواجه المصنعون تراجعا سواء من حيث الحجم أو الربحية حينذاك ستتخلى الأسواق المالية عن هذه الصناعة على حد اعتقاد باسكال ديثيلم.
ومن شأن هذه الفرضية أن تربك المسؤولين السياسيين في العديد من كانتونات الكنفدرالية فالجزيرة السويسرية بما تقدمه من مزايا ضريبية وإطار تنظيمي ليبرالي تحظى في الواقع بتقدير عال في أوساط صانعي السجائر، حتى إن أكبر ثلاث المنتجين، أي فيليب موريس، التبغ البريطانية الأمريكية وتوباكو اليابانية الدولية يزاولون فيها نشاطات إنتاجية وبحوث وأعمال إدارية.
وتكتسي فيليب موريس أهمية حيوية بالنسبة لاقتصاد سويسرا الروماندية المتحدثة بالفرنسية، بحيث استثمرت نحو 700 مليون فرنك منذ 2008 وتوفر 3 آلاف وظيفة ذات رواتب عالية، وإيرادات ضريبية تناهز 60 مليون فرنك لكانتون نوشاتيل لوحده، أي تقريبا نصف إجمالي الضرائب التي تدفعها الشركات، حسب تقديرات محلية.
ويقر عضو مجلس الشيوخ السويسري رافاييل كونت، من الحزب الليبرالي الراديكالي أن مغادرة فيليب موريس قد يكون لها تأثيرات مأساوية على كانتوننا الذي يعاني بعد من صعوبات مالية.
وتعبد اليابان الدولية للتبغ المنتجة لسجائر كاميل ووينستون ومايلد سِفن ثالث أكبر مصنع للتبغ بالعالم وتستحوذ على 11% من سوق السجائر العالمية وتوظف 1000 شخص في جنيف حيث يوجد مقرها الدولي و300 آخرين في مصنعها بداغميرسيلين في كانتون لوتسيرن وتصدر 90% من الإنتاج السويسري.
وفي 2013، أطلقت الشركة سيجارتها الالكترونية Ploom التي تصدر بخارا بواسطة تسخين التبغ وذلك قبل أن تضفي طابعا رسميا في منتصف يونيو 2014 على استحواذها على شركة Zandera التي تنتج سجائر E-lites الالكترونية.


5 آلاف وظيفة على المحك

تحظى الشركات متعددة الجنسيات باهتمام خاص كي لا تفكر في الهجرة من سويسرا ففي 2012 خاض النائب البرلماني لوران فافر من كانتون نوشاتيل بنجاح معركة في البرلمان الفدرالي لكي تتمكن بلاده من مواصلة تصدير السجائر المحتوية على 10 ملغ من القطران و1 ملغ من النيكوتين و10 ملغ من أول أول أوكسيد الكربون نحو آسيا والشرق الأوسط.
هذا يعني أن المخاطرة كبيرة لأن السجائر القوية تمثل أكثر من 80% من الإنتاج السويسري أما عواقب النقل المحتمل لنشاطات الشركات خارج الكنفدرالية فتعني خسارة 5 آلاف وظيفة مباشرة وتراجع العائدات الضريبية بعشرات الملايين من الفرنكات في الكانتونات والبلديات المعنية.
ولا يهم إن كانت هذه المنتجات لا تتطابق وقواعد الاتحاد الأوروبي الذي تتفاوض معه سويسرا حاليا حول اتفاق يتعلق بالصحة العمومية، إذ تشير المتحدثة باسم المكتب الفدرالي للصحة العمومية كاترين كوسي إلى أن المفاوضات تباطأت بشكل حاد منذ 2010، والمسائل المرتبطة بالتبغ ليست حاليا ضمن جدول الأعمال.
وعلى أي حال، ستبذل الحكومة الفدرالية قصارى جهدها للحفاظ على إمكانية مواصلة تصدير السجائر بدون قيود إلى بلدان ثالثة وفقا لتوضيحات المكتب الفدرالي للصحة العمومية وهنا ينتقد باسكال ديثيلم بشدة موقف الطبقة السياسية السويسرية التي تقوم في رأيه بدور جماعات الضغط في دفاعها عن صناعة التبغ.