معظم مواليد التسعينات فما فوق بمصر لم يسمعوا بـ»يوم الغسيل»..كانت عملية غسيل الملابس تتم مجمعة في يوم واحد يتحول فيه البيت إلى ثكنة عسكرية بعيداً عن آلات الغسل الحديثة، لذلك فيوم الغسيل كان أسوأ من يوم الامتحان، وكان عليك أن تنشغل بشيء ما لتُضيع وقتك بدلاً من أن تضيع أنت نفسك إما بسبب الملل أو بفعل الملل الشديد، هذا عنك، أما الغسيل المسكين نفسه فكان يعاني؛ فيا ويل الغسيل الأبيض في اليوم الأسود؛ ففي عمليه أشبه بعملية السلخ، يتم وضع قطع الغسيل المسكينة في وعاء يسميه جيل الأمهات «جردل»، ويسميه جيل الجدات «بستلا»؛ هذا الجردل أو هذه البستلا عبارة عن كائن حديدي منقرض كان يوضع على وابور جاز (وهو كائن آخر شبه منقرض) ويتم سلق الغسيل في عملية تسمى «الغلية»، ويتم التقليب بـ»عصا الغلية» (كانت تقوم باقي أيام الأسبوع بدور السلاح ضد شغب الأطفال)..و»شوربة الغسيل» لا تحتوي على مرق أو بهارات، ولكنها شوربة بيضاء اللون بفعل مادة كنا نطلق عليها «البُتاص»، وتقول عنها إعلانات وزارة الصحة «البوتاسا الكاوية»، وعلميًا هي «هيدروكسيد البوتاسيوم»؛ وهي مادة قلوية تذوب في الماء لتُكون محلولًا يشبه اللبن، ولذلك كانت خادعة وتسببت في قتل وتشوية عدد كبير من الأطفال.
ثم يدخل الغسيل طور «التزهير» والبطل فيه مادة زرقاء اللون تسمى «الزهرة» مهمتها منع الغسيل الأبيض من أن يبهت.
بعد هذا ندخل في مرحلة «العصر»، وهو يدوي طبعًا، تتكاتف فيه كل الأيدي العاملة في المنزل..ثم مرحلة «النشر»، وعادة لا يكفي المكان فيتبرع أقرب الجيران بتقديم دعم لوجستي، فتجد ملابس فلانة عند علانة، ويتم رد الجميل لاحقًا.
أخيرًا تأتي مرحلة «التطبيق»، حيث يتم طي الغسيل بعناية وتوزيعة على أماكنه بدون عناية، فأجد ملابسي في درج أبي وملابس أبي عند أخي وملابس أخي تضيع في الزحام، لا يهم، المهم أن دولابًا واحدًا يجمعنا كلنا.
الغسيل زمان كان له يوم مثل أي ظالم، الآن أصبح له «زرار» مثل أي شيء..كما قلت قبلاً: التكنولوجيا تقوي الجسد لكنها تقتل الروح.