إحدى السمات والأشكال الحضارية للمجتمعات هي ما يعرف بالمجتمع المدني بمؤسساته المختلفة، والتي تمارس دورا اجتماعيا وتنمويا وسياسيا ومهنيا، يعبر عن إرادة أفراد هذا الشعب وتوجهاته العامة في القضايا الرئيسية للوطن.
ومصطلح «المجتمع المدني» هو أحد إفرازات النظام السياسي الجديد بأوروبا، والذي يقوم على أن المواطن - باعتباره فردا حرا- قادر على التمتع بحرية الاختيار والمشاركة في اتخاذ القرار، والمجتمع المدني بتنظيماته هو الوسيلة التي يمكن لهذا المواطن أن يعبر فيها عن نفسه وعن أفكاره وتوجهاته بكل حرية وبدون قيود، وضمن هذا الإطار المجتمعي يتحقق «التدافع» بمعناه الواسع، فتتصارع الأفكار ويتبادل الناس المعارف والآراء والخبرات، ويبقى على السطح ما يثبت أنه (إرادة عامة) لدى المجتمع في أي قضية من قضايا بلده.
يمكننا القول أن بعض أشكال وأنشطة المجتمع المدني (والمصطلح لم يظهر إلا بأوروبا في القرن الثامن عشر) كانت قد ظهرت في الدولة الإسلامية القديمة، فالمساجد مثلا كانت مؤسسات اجتماعية يجتمع فيها (المواطنون) ويبدون آراءهم حول قضايا الدولة، ونظام الأوقاف الإسلامية ونظم الحرف اليدوية كلها تمثل معاني هامة للمجتمع المدني الذي تُنظر له السياسة الحديثة اليوم.
ومؤسسات المجتمع المدني تشمل النقابات المهنية، والأندية الشبابية، والجمعيات التطوعية المعنية بقضايا المجتمع مثل: التنمية وحقوق الإنسان والطفل والمرأة، ورعاية السجناء، وأحوال الفقراء، ومشاكل البيئة، ولا تقف الأمثلة عند النوادي والاتحادات الرياضية.
كما تشكل هذه المؤسسات نقطة توازن ومنطقة وسط بين المجتمع والدولة، فتحمي المجتمع من تغوّل الدولة وتسلطها عليه بأن تفرض عليه فرضا كل ما يمس حياته واحتياجاته ونمط حياته، وتوفر للدولة التفرغ والقدرة على القيام بمهامها الكبرى التي أوكلها بها المجتمع من إيجاد الأمن وإقامة العدل وتقديم الخدمات وحماية الهوية الوطنية الجامعة لكل طوائف المجتمع وفئاته.
ومطالبة المجتمع بالمشاركة في القرار العام للدولة هي مطالبة مشروعة ولا شك في ذلك، فبأي حق يُمنع المواطنون من المشاركة في تقرير مصيرهم؟ ومن المساهمة في بناء الوطن الذي سيعيشون فيه هم وأبناؤهم من بعدهم؟!والشورى أصل في الإسلام أمرنا بها المولى، وترك لنا الاجتهاد في تطبيقها بما يناسب الزمان الذي نعيش، والمكان الذي نسكن.
وإضافة لما سبق، فإن مشاركة المجتمع في السلطة عبر وجود مؤسسات المجتمع المدني القوية والمُمَكّنة يعطي لهذه الدولة قوة إضافية عند مواجهة التحديات والكوارث والمصائب بأشكالها المختلفة، فهذا المجتمع يشعر أنه شريك في هذا الوطن، فهو عنصر (فاعل) و(مسؤول) و (مُبادر) في السراء والضراء.
أخيرا فإن المشاركة في القرار العام (حق) للمواطن و(واجب) على الدولة، لا خير فيه إن لم يقلها، ولا خير فيها إن لم تسمعها!.
نكمل الحديث عن واقع المجتمع المدني بمكة والمأمول منه في المقال القادم إن شاء الله.
المجتمع المدني المكيّ
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
