قد يتساءل البعض عن ماهية العلاقة بين التراث الحضاري وقيم المجتمع، وللبدء بالإجابة عن هذا التساؤل ينبغي التعريف بمدلول شقي الموضوع
فالتراث أو الإرث أو الموروث الحضاري يدل بكل بساطة على جميع مكونات وعناصر الحضارة الإنسانية المادية منها وغير المادية، كالمعتقد واللغة والعمارة التقليدية والحرف وأساليب المعيشة والفنون الشعبية والأعراف والتقاليد وغيرها
أما قيم المجتمع فهي تلك المبادئ والمعايير التي ترسخت جذورها في المجتمع وارتضاها لسلوك أفراده وأصبحت مقاييس للخير أو الشر كالقيم الدينية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتربوية وغيرها
وهنا يبرز التساؤل عن الرابط بين التراث الحضاري وقيم المجتمع والعلاقة والتأثير المتبادل بينهما
ولعله من المناسب في هذه الإطلالة السريعة الاسترشاد بثلاثة أمثلة للدلالة على هذه العلاقة والتأثير المتبادل
فالإسلام وهو أسمى تراث حضاري إنساني عرفته البشرية، أرسى ورسخ قواعد المثل العليا للقيم الإنسانية بكل أنواعها وأصنافها وأشكالها؛ إذ نجد في القرآن الكريم والسنة المطهرة أغنى الكنوز وأجل المصادر في أساليب التعامل والسلوك والتصرف البشري ليرتقي بقيم المجتمع إلى درجة المثالية
وقد أحسن كل من فضيلة الشيخ صالح بن حميد والأستاذ عبدالرحمن ملوح في إصدار العمل الموسوعي بعنوان «نضرة النعيم في مكارم وأخلاق الرسول الكريم صلى لله عليه وسلم»، وهي موسوعة عن قيم وأخلاق التربية الإسلامية
وتضمنت هذه الموسوعة ما يقرب من 220 قيمة وصفة مستحبة، و260 قيمة وصفة مذمومة، وجميعها مستمدة من القرآن الكريم والسنة المطهرة وآثار الصحابة والسلف الصالح
وهذا هو المثال الأول
أما المثال الثاني فهو اللغة العربية: إنها لغة القرآن الكريم والسنة المطهرة ووسيلة انتشار الثقافة والحضارة الإسلامية بكل مكوناتها الدينية والأدبية والعلمية والمعمارية والعمرانية والطبية والفنية
لقد حفلت عناصر اللغة من شعر ونثر وأمثال وغيرها بزخم وافر عن أسمى وأنبل القيم بكافة أصنافها وأنواعها وإن شئت دليلا على ذلك فاقرأ لامية ابن المقري (ت 738 هـ)، أو ديوان الإمام الشافعي أو لامية الطغرائي (ت 405 هـ) أو لامية ابن الوردي (ت 857 هـ)، أو لامية الهاشمي (ت 360 هـ) أو منظومة الآداب للمردادي (ت 632 هـ)
أما المثال الثالث والأخير، فهو العمارة التقليدية التي تعد أحد أبرز معالم الحضارة الإسلامية المادية والتي أبهرت العالم على مر العصور بتصاميمها الرائعة وجمالها الأخاذ وفنها الأصيل وتناغم مكوناتها واستخدامها البيئة المحيطة في مواد بنائها وتناسق ألوانها وزخارفها وتأثرها بالبيئة الطبيعية في تصميم فراغاتها الداخلية والخارجية وتشكيل واجهاتها، وفوق كل ذلك تأثرها واستلهامها للقيم والأخلاق الإسلامية الفاضلة
فإلى جانب البساطة والفن الأصيل في شكلها الخارجي اهتمت العمارة التقليدية في تصاميمها الداخلية والخارجية باحترام الجار وعدم التعدي عليه أو الإضرار به وصيانة حقوقه
كما أولت عناية خاصة بتشكيل الفراغات الداخلية، بحيث تصون الأعراف والتقاليد الاجتماعية السائدة في المجتمعات الإسلامية، وتحقق أواصر العلاقات القوية بين أفراد الأسرة الكبيرة، وفي نفس الوقت تعمل على تأكيد خصوصية الساكنين السمعية والبصرية والوظيفية وتؤكد على تخصيص فراغات خاصة للزائرين والضيوف رفعة لشأنهم وإمعانا في إكرامهم
إنها دعوة للتفكر في قيم مجتمعنا التي طغت عليه المادة والمصالح الشخصية والأنانية، والعودة إلى نبع الشريعة الإسلامية الصافي في كل مجالات الحياة الخاصة والعامة
أين مجتمعنا من القيم الإسلامية الصافية التي تغرسها وتنميها العبادات والمعاملات التجارية والعلاقات الاجتماعية، والتي تنعكس في لغتنا العربية الخالدة، لغة القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة من خلال عناصرها المتمثلة في الشعر والنثر والأمثال، أو تلك القيم والأخلاق الإسلامية السامية التي تتمثل في العمارة التقليدية بجميع عناصرها المعمارية والفنية؟ إن مجتمعنا ولله الحمد مجتمع إسلامي يفترض فيه أن يكون مثاليا في تمثله لتلك القيم والأخلاق، ولكن الواقع ومع الأسف الشديد أننا نجد في مجتمعنا من لا يراعي تلك القيم في أعماله أو تصرفاته وسلوكياته وتعاملاته
إذن ما هو الخلل الذي أصاب المجتمع أو بعض أفراده؟ هذا ما سيكون موضوع لقائنا القادم بإذن الله
تراثنا الحضاري وقيم المجتمع
ناصر الصالح3 دقائق للقراءة

حجم الخط
