تتلاشى مخرجات المؤسسات التعليمية، إلى حالة فقد موجع لقيم كنا في أشد الحاجة لتشكلاتها..تتكاثر أشكال وألوان شتى من الفساد الإداري في مجتمعنا (الذي يردد أفراده بأنهم مجتمع الدين والحرمين وأحفاد الصحابة)! يحتشد الآلاف في وسائل التواصل الاجتماعي خلف رايات التطرف و(التخلف)، في مواجهة نداءات العقل والفن والجمال..تزداد أزماتنا وتناقضاتنا (الداخلية)، فنعيش الحياة بشخصيات متناقضة..تختفي مظاهر البهجة، ويسود الكون سواد مكلل بالضيق والخوف والشك..كل تلك التشكلات الموغلة في (الانحدار)، بسبب أنا نسينا أن ننمو مع حركة الزمن.
وبقيت الآلة التي كنا نستخدمها للحركة والحياة، هي ذاتها التي تشتغل عليها العقول المعطلة أو البدائية..(الحل) كما أزعم و(بمباشرة سريعة)، هو في الاعتراف - قبل كل شيء - بأن أزماتنا كلها بسبب ذلك الخلل والتشظي في المنظومة الثقافية العامة..في (الثقافة) ثم الاشتغال الجاد على صياغة ثقافتنا صياغة صحيحة (دينية عميقة خالصة وحضارية إنسانية كلية) وإذ كان من المفترض أن تضطلع مؤسسات حكومية جديدة كـ (مركز الحوار الوطني) بتلك المهمة الحاسمة من تاريخ بلادنا، فإن عدم الجدوى من عمل واشتغالات ذلك المركز يدعو إلى ضرورة إعادة صياغة جادة لحوار ما..أكثر (قيمة) و(حسما) و(شرعية)، بوسائل صادقة ومخلصة، تتجاوز متعة الظهور ويوتوبيا التنظير وجفاف أوراق العمل والتوصيات التقليدية المهدرة، للعمل وفق آلية محددة، يمكن أن تكون تمثلاتها على النحو الآتي:

1.دعوة الفاعلين في تشكيل خطابنا الفكري الاجتماعي العام، وهم - كما أرى - ثلاث مجموعات.
أولها: سماحة مفتي البلاد، وهيئة كبار العلماء، والدعاة الذين يمتلكون أطيافا جماهيرية كبيرة، والممثلون الكبار لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وثانيها: قادة العمل التعليمي التربوي.
وثالثها: المثقفون والمفكرون والإعلاميون الحقيقيون، لأن حضور تلك المجموعات الثلاث بشكل حواري حضاري فاعل وعاقل، للاتفاق حول كثير من قضايانا التي نلوكها منذ قرن (ولا فائدة)، هو الكفيل بحل معضلتنا في التفكير والتنظير والتصنيف والتقديس..وفي الثقافة التي (ننظر) بها إلى حياتنا وواقعنا، والتي أفضت بنا إلى مخرجات متناقضة مهترئة، ظللنا بسببها نقبع في أتون الجمود والابتذال والفساد وضياع الكثير (الكثير) من جدوى اللقاءات والمخططات!

2.(لا بد) أن يتفق رجال خطابنا الديني الأجلاء، الذين نضع بثقة مصير هذه البلاد ونهضتها بين (تسجيلات فتاواهم)، مع أقرانهم التعليميين والمثقفين ونخب الإعلاميين، لأن العنصر الديني في لحظة مجتمعنا الراهنة، هو المهم لتحريك المجتمع كله، وأي حوار بدونه سيظل نخبويا وأكاديميا وورقيا وعبثيا وغير شرعي، وكلما توازن هذا الخطاب وانسجم مع خطابنا التعليمي والتربوي والثقافي توازنت معه كل الخطابات، و(حلت) كل الأزمات، وتقدمنا خطوة حقيقية إلى الأمام، ولم نحتج إلى (ردود أفعال) ولجان نواجه بها كوارثنا ومشكلاتنا، أو إقرار مواد تعليمية مفتعلة تدرس (الوطنية) لأبنائنا!

3.أما القضايا التي يجب مناقشتها والتحاور معها فهي:

أ- المفاهيم الدينية التي ظللنا نلوكها منذ سنوات - على أساس أنها عقيدة السلف التي لا يجب تحويلها أو استثمارها بروح الاسلام الحقيقية - ونحن لا ندري أنها ستكون - ذاتها- المراجع الدينية للجماعات المتطرفة، من التي يكتوي بنارها الجميع على السواء!: (علاقتنا مع الثقافات الأخرى..مع الغرب..مع النصارى المسيحيين في الدول التي نرتبط بها بعلاقات الجوار واللحظة الحضارية الواحدة..مع الأعداء الحقيقيين..مع (الجهاد)..مع الولاء والبراء..مع الفكر العلمي ومعطياته وحتمياته وعلاقته بدين الله على الأرض).
ب- التعبئة المثلى - بصياغة متقنة - دينيا وتعليميا وثقافيا، لرد الاعتبار إلى أهمية قضايا كبرى (بالفعل)، كالخطر الحقيقي من (الطابور المتطرف) المختفي داخل مؤسساتنا ومدارسنا التعليمية، وكالخطر من الفساد الإداري من ابتزاز ورشاوى وإهمال حقوق الضعفاء والمعدمين، والعناية الكبرى - لمواجهة ذلك - بقيم الإسلام المؤكدة على قيم سامقة ومؤثرة كالنظام والتكافل والمساواة وإتقان العمل والاستغلال للطاقات بلا (بطالات وفراغات) والتواد الاجتماعي بلا (عنصريات وطبقيات).
ج- البحث في سؤال ملح ومهم وهو: كيف نكفل حقوق الإنسان لدينا (وأهمها كرامته) من أن يغتالها عبث وشك وأحكام (الأوصياء) الذين (توجتهم) عقولهم الضعيفة للاجتراء على عباد الله المكرمين، وحرية عقولهم في التفكير والتفاعل.
د- العلاقة مع الأجناس الثقافية في طابعها الأدبي والفني (كالشعر الحديث والرواية والمسرح والسينما والموسيقى والفنون الجميلة، وما ترتبط به تلك الأجناس بعلاقات ديالكتيكية مع الثقافات الأخرى).
علاقتنا بتلك الأجناس متوترة إلى أبعد مدى، إذ هي التي أنتجت فتنة التصنيفات التي قصمت ظهر مجتمعنا ما بين: (معي وضدي..أصولي وعلماني وليبرالي وقومي)، وهي التي أنتجت في وعينا - ولا وعينا- هاجس وجود فكر ضال يتربص بنا من كل جانب، لتجب محاربته والتصدي له وتكفيره وإخراجه من بوتقة الدين العظيم، لكيلا يصبح لمتبنيه مكانة في اتساع الوطن الكبير.

هـ- مشكلة المرأة: وجهها وعملها وتعليمها ورياضتها وقيادتها والاختلاط معها في الأماكن العامة أو الخاصة و...و...(هل نحن في حاجة لعرض مشكلة التعامل مع خلوة زوجين في مكان ما..كذلك؟!)صدقوني: لا سبيل لنا للنهوض بمجتمعنا، ليصبح (لجنة واحدة دائمة) من شتى خطابات الأمانة والصدق والتواد والتكافل والتثاقف إلا بذلك الحل! وعندها لن نجد من يثير الشغب دائما في أي مواجهة لنا مع قضايانا السابقة، وسيختفي حتما الذين يهددون وحدة الوطن، وسيتوفر لنا الوقت كاملا لعمل جاد آخر في قضايا ملحة أخرى من أجل هذا الدين العظيم، وسبر أغواره الجليلة في أعماقنا وتقديمه للآخرين بما يتناسب مع اتساعه وعظمته وحواريته، ومن أجل بناء الوطن وحضارته، وصياغة مجتمعه صياغة منسجمة رصينة، لا يعيش أفراده دائما في عالمين متناقضين يرتهنون فيهما إلى لحظات توجس وخوف وعداء ورفض إلى ما لا نهاية!