لست متخصصا في الاقتصاد، لكنني أعرف أن التضخم يعني انخفاض قيمة العملة التي بيدي، وأن عجز ميزانيتي الشهرية معناه أنني أنفق أكثر من دخلي، وليس أمامي حل سوى زيادة دخلي أو تخفيض نفقاتي، والأفضل بطبيعة الحال أن أخفض نفقاتي حتى لو استطعت زيادة الدخل، وذلك لادخار بعض الدخل تحسبا للمستقبل، حيث أعرف أن أي فرد لا يستطيع لأي سبب أن يدخر بعض دخله وهو نشيط قادر على العمل وتنويع مصادر دخله، فإنه سيعاني معاناة شديدة بعد تقاعده أو عجزه، لا سيما في بلادنا، فبعض المتقاعدين لا يستطيع الوفاء باحتياجاته الضرورية في الحياة، وبعضهم ما زال يلهث لتسديد البنوك، وبعضهم يعمل في أعمال متواضعة أو يبحث عن عمل مهما كان، فإذا كانت الحاجة أم الاختراع كما يقال، فإن الحاجة نفسها أم الصبر وأحيانا أم المهانة.
أقول هذا، وأنا أعلم أن هناك دولا أقل دخلا من بلادنا، لكن سبل الصرف فيها مقننة بحيث لا تتجاوز الدخل مع ضمانات بألا يتغير الحال زمنا طويلا فهناك خطط خمسينية وأخرى مئوية تسير الخطط قصيرة المدى في ضوئها، وأولى قنوات الصرف في تلك الدول تتدفق على أمثال هؤلاء الأفراد المحتاجين سواء كانوا متقاعدين، أو فقراء أصلا، ومصادر الدخل المتنوعة والمنتجة تسمح لتلك الدول وتجبرها على اعتماد أساليب في الصرف تحقق ديمومة الرفاه لهؤلاء المحتاجين، أما الأغنياء الذين جمعوا ويجمعون ثرواتهم من جيوب الشعب، فإنهم ملزمون بدفع ضرائب تضمن ديمومة غناهم، وسد حاجة المحتاجين.
تذكرت كل هذا وغيره وأنا أقرأ تقرير صندوق النقد الدولي، الذي طالب خبراؤه المملكة بفرض ضرائب على العقارات الغالية والأراضي الفضاء (البيضاء)، وزيادة رسوم الخدمات الحكومية، ورفع أسعار الطاقة، وتوقع الخبراء عجزا في ميزانية 2015 بنسبة %1,4، وسيصل هذا العجز الى %7,4 في 2019، والله أعلم ماذا يحدث بعد ذلك، وهنا أتذكر أن سعوديين متخصصين في الاقتصاد قالوا مثل هذه التوقعات أو قريبا منها، وعلى رأسهم الدكتور عبدالعزيز الدخيل، الذي دعا الى إعادة هيكلة الاقتصاد، وتنويع مصادر الدخل، وترشيد الإنفاق، وتقليص إنتاج النفط، لكن لم يجد كلامه صدى، أما أنا وأمثالي من غير المتخصصين، فقبل أن يقول رئيس هيئة الكهرباء (إن دعم الكهرباء لم يستفد منه إلا الأغنياء) قلنا ومنذ سنين، وكررناها، إن كل أنواع الدعم (كهرباء، ماء، مواد غذائية، مشتقات النفط، أعلاف وغيرها) إنما هي لفائدة الأغنياء ومراكمة الثروة في جيوبهم، وإنه يجب إيقاف الدعم نهائيا، وتوجيهه إلى محتاجيه من المواطنين، ولم نقل افرضوا ضريبة على الأغنياء، وإنما فقط قلنا دعوهم يدفعون الأسعار الحقيقية لتلك السلع المدعومة واجعلوا الدعم فقط للفقراء والمحتاجين، وحددوا سقفا لمستويات الحاجة والفقر، وهو تحديد سهل ومتاح.
الآن صندوق النقد يطالب برفع رسوم الخدمات، ورفع أسعار الطاقة، وفرض ضرائب على العقارات الغالية والأراضي البيضاء، وهذه الرسوم والأسعار إن رفعت سترتفع على الجميع، على الغني والفقير والمحتاج، ومعنى هذا - كما فهمت- أن شوكة ميزان العدالة الاجتماعية ستستمر مائلة لصالح الأغنياء والهوامير، حتى لو فرضت ضرائب على عقاراتهم وأراضيهم المليونية المشبكة، لأن الدعم العام سيستمر متدفقا إلى جيوبهم وهم الأكثر استهلاكا لكل تلك السلع المدعومة، والضرائب سيعوضونها من جيوب الناس المستهلكين، لأن مبادئ العرض والطلب تمنحهم ذلك، فلا أسعار عقار محددة، ولا نسب أرباح محددة، وبهذا سيزداد الغني غنى، وسيزداد الفقير فقرا، وستنحدر الطبقة الوسطى إلى القاع.
أليست الحلول المعروفة بصورة شبه بديهية، أفضل مما طالب به خبراء صندوق النقد؟ أليس هؤلاء الخبراء - كما توحي مطالبهم - يهمهم ارتفاع الدخل وترشيد المصروفات فقط، أما المجتمع فلا قيمة له في رأسماليتهم؟ أظن الأمر كذلك، وحلولهم وتوصياتهم ونتائجها في بعض الدول معروفة ومؤلمة.
الخلل في شوكة ميزان العدالة الاجتماعية عندنا واضح، وتوقيف ميلان هذه الشوكة لمصلحة الأغنياء، سيحقق تلافي العجز المنتظر كما أعتقد، ومعروف أن دعم السلع للجميع ورفع الرسوم على الجميع هو سبب الخلل الفادح الواضح، الذي أتصور أن استمراره ستكون له عواقب وخيمة.