احتفلت المملكة -وطنا ومواطنين- يوم الثلاثاء الماضي الأول من الميزان بذكرى اليوم الوطني الرابع والثمانين، وهي مناسبة وطنية غالية نقرأ فيها ما تحقق من منجزات حضارية على كافة المجالات ومختلف الأصعدة، ولنا أن نقرأ في تفاصيل منجزنا الوطني هذا التحول الحضاري الكبير والنقلات التنموية الهائلة حتى غدت مملكتنا الحبيبة في مصاف الدول المتقدمة، بعد أن وحّد صفها وجمع شتاتها ولم شمل أهلها تحت راية التوحيد الملك الراحل عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيب الله ثراه.
فقد أدرك المؤسس أن مهد الرسالات السماوية وموطن الحرمين الشريفين لا يستقيم أمرها إلا بما أراده الله لها من تحكيم شرعه، وإقامة حدوده، وعمارة مقدساته، فكان أن وفقه الله لتوحيد هذا الوطن المترامي الأطراف في ملحمة فريدة قلّ أن يشهد لها التاريخ مثيلا، فقد كانت النظرة الثاقبة وصفاء النية وسمو الهدف حاضرة في خطوات تأسيس البلاد على شرع الله القويم، فسرعان ما عمّ الأمن وانتشر الرخاء وبدأ البناء بما كان متاحا من الإمكانيات في بلد يعتز باحتضان الحرمين الشريفين وأخذ على عاتقه ومن الوهلة الأولى خدمتهما وتسهيل سبل الوصول إليهما ورعاية وحماية قاصديهما، حيث كان الهمّ الأول للملك عبدالعزيز تحقيق الأمن وإقامة العدل وفتح دور التعليم لتستقيم بذلك أحوال المجتمع، وكذلك تأمين طرقات الحجيج القادمين من كل صوب ليؤدوا مناسكهم في أجواء آمنة، فلم يكن حدث توحيد البلاد محليا وحسب بل تجاوز المحلية إلى العالمية وكافة الأقطار التي نعم أهلها بالوصول إلى ديار الحرمين الشريفين وأدركوا حجم التحول من مجتمع مضطرب متناحر تعصف به القبلية وتكبله انتماءات العشائرية، إلى مجتمع متآلف يعمه الأمن ويلفه الرخاء، وبعد أن توطدت أركان الدولة وبدأت حياة الاستقرار وظهرت الخيرات باكتشاف البترول انطلقت عجلة التنمية وقفز الوطن قفزات هائلة شهدتها كافة القطاعات وانطلقت الخطط الخمسية للنهوض به مركزة على عدد من الجوانب التعليمية والصحية والاجتماعية والاقتصادية.
وسار أبناء الملك المؤسس على خطاه في تحكيم شرع الله القويم الذي اتخذته المملكة دستورا لها منذ اللحظة الأولى لقيامها، واليوم ونحن في الذكرى الرابعة والثمانين نرقب بعين الإكبار ما تحقق من منجزات فريدة إذا قيست بالامتداد المكاني لوطن في حجم قارة وفي فترة تعد قصيرة بالامتداد الزماني، نقف اليوم لننظر في تفاصيل المنجز، ولنسأل أنفسنا ماذا قدمنا نحن في المقابل، الوطن وطن خير وعطاء لم يبخل على مواطنيه.
والمواطن يجب أن يقوم بواجبه نحو وطنه الذي منحه كل ما يبحث عنه، فالحديث عن الوطن حديث عن الوجود، عن الذات، عن الهوية، عن المأوى، عن الهواء الذي نتنفسه والأمن الذي نعيشه، لذا فإن هذه الاحتفائية يجب أن يؤكدها اعتراف بالفضل وأداء لواجب الوطنية الحقة ومن أوجب واجباتها المحافظة على ما تحقق، والعمل على استكمال ما بدأه الآباء من بناء وتضحية وصدق انتماء، أقول هذا لأن الاحتفال يتجاوز مظاهر الفرح وإن كانت مطلوبة ومبررة لكنها لا تكفي وحدها، بل علينا كمواطنين أن نستعيد مكابدة الأجيال السابقة ومعاناتها الحياتية قبل لم الشتات، ونقارن ذلك بما ننعم به من رغد العيش (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)، علينا أن نقف صفا واحدا خلف قيادتنا الرشيدة في كل ما تتخذه وتقرره للحفاظ على أمن وطننا وحماية مكتسباته، وأن نكون حصنا منيعا ضد دعوات الضلالة ومحاولات التشويش، لتبقى مملكتنا الواحة التي نستظل بها ويقصد ظلها كل عربي ومسلم.
ذكرى اليوم الوطني.. قراءة في المنجز الحضاري
عبدالله بن خميس العمري3 دقائق للقراءة

حجم الخط
