التنوع الطبيعي في الحياة هو سنة كونية ربانية، وهو جمال الوجود البشري وغير البشري، فاختلاف الثقافات واللغات والألوان والطبائع هو جانب بشري حتمي وقد جبل الإنسان السوي على تقبله والتكيف معه واستيعابه، وما سلوك البشر عبر التاريخ إلا تأكيد على تلك الحقيقة التي من يكابر عنها فهو يخالف الفطرة ويعارض السنن، والحضارات السابقة كان من أسس استمرارها وبقائها وقوتها هو مدى إمكانية تعايش أفرادها مع بعضهم بعضا ومع الكون والطبيعة، وكثير من الحضارات ضعفت وتفككت وتلاشت بسب التناحر الشعبي على أمور بسيطة كان بالإمكان أن يعذروا بعضهم فيها ويتقبلوا وجهات النظر المتعددة والمتباينة، ولكن حب التسلط والسيادة لرأي معين ومحاولة فرضه على الجميع دون مراعاة للتعددية الثقافية هو أول خطوة من خطوات الضعف وطريق سهل لإيقاد نار الفتن والقلاقل المجتمعية.
الحضارات القوية استطاعت عبر سيادة مفهوم التعايش إلى صهر أفرادها في بوتقة واحدة تحت ظل الأرض وتحت ظل أنظمة وقوانين تحكم هذا التنوع وتسيطر على التباينات واستغلالها كمصدر قوة لاستمرار عمرها وانتشار فكرها وثقافتها وإنتاجها المادي والصناعي، هنا ندرك أهمية التعايش كضرورة وطنية دائمة وحاجة إنسانية لا مناص منها، وقد يكون جانب المصلحة هو المسيطر للتأكيد الدائم على أهمية التعايش، حيث المصلحة العامة للحضارة وللناس هي التي تحتم على الجميع القبول الطوعي أو حتى القسري لكل أطياف المجتمع بمختلف توجهاتهم الثقافية والدينية.
التعايش ليس مجرد ترف فكري أو شعارات إعلامية؛ بل هو ضرورة وطن وحاجة شعب وحتمية طبيعية، والتعايش لا يعني الحب والموالاة والرضوخ بقدر ما يعني الاستيعاب والتقبل وهذا هو أساس قانون التعايش الذي يتطلب تحقيق العدل والإحسان في المعاملة لتحقيق أقصى درجات السلم الاجتماعي والظفر بالأمن والاستقرار الوطني، ومن بعد ذلك التفرغ لبناء الوطن والسعي لدفع التنمية والنهوض لمصاف الدول المتقدمة، وما التجربة العمانية إلا خير دليل على قدرة السلطنة في استيعاب التنوع المذهبي والطائفي في بناء دولة حديثة ناضجة لا تلتفت للصراعات الطائفية والحروب المذهبية وتسعى لوأدها وإطفائها وعدم الانشغال بها عن الهدف الكبير والأسمى في تحقيق الاستقرار والهدوء.
يقول الإذاعي الأمريكي برنارد ملزر: إذا تعلمت كيف تختلف دون أن تصبح مقيتا فقد اكتشفت أسرار التعايش، ولا أصدق من الآية الكريمة: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين).
التعايش.. ضرورة مرحلة أم حاجة مستدامة؟
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
