مقال اليوم هو امتداد لمقال الأسبوع الماضي وسيركز على مناقشة مركز الاقتصاد الوطني عالميا من المنظور التقني والصناعي.
كثيرا ما تشير التقارير الدولية إلى استحواذ المملكة على مكانة متقدمة بعدد من التصنيفات العالمية. فقد حصلت مؤخرا على مرتبة سيادية بالتصنيف الائتماني العالمي من “فيتش” AA وتفوقت به على العديد من الدول الأوروبية. أيضا، اعتبرت المملكة ضمن أفضل دول العالم من حيث سهولة ممارسة أنشطة الأعمال، ومتوسط دخول الأفراد من بين الأعلى عالميا، وحقق الناتج القومي نموا وصل إلى 4.7 وهو يفوق المتوسط العالمي 3.3 في 2013. ولا تزال الجهود مستمرة لتطوير المزايا الاقتصادية الوطنية والتحول إلى اقتصاد قائم على المورد البشري (المعرفة والتقنية).
أما بالنسبة للوضع الصناعي، فالأمر مختلف. وفقا لنموذج IDP المفصل بالمقال السابق، فمستوى التقدم بالصناعة المحلية يمكن اعتباره بالمرحلة الثانية، وهي مرحلة متأخرة، حيث لا تزال الاستثمارات الأجنبية المباشرة الداخلة أعلى من الخارجة وكلاهما بمستوى منخفض جدا بالمقارنة مع عدد من دول الشرق الآسيوي والقارة الأمريكية الجنوبية اللاتي تشهد تطورا صناعيا متسارعا انعكس في إحداث نمو كبير للاستثمارات الأجنبية المباشرة الداخلة والخارجة، حسب تقرير أونكتاد الأخير، وذلك بصناعات تقنية مهمة. تشمل تلك الدول على سبيل المثال إندونسيسيا، هونج كونج، الهند، الصين، والبرازيل، وتعدّ اقتصادات منافسة في استقطاب رؤوس الأموال وتوطين التقنيات، ينبغي تتبع استراتيجياتها وأنماطها وتطوير السياسات باستمرار على إثر تحركاتها.
ماذا تعني تلك المؤشرات؟ إن انخفاض الاستثمارات الأجنبية المباشرة الداخلة رغم توفر مزايا وطنية مهمة ومؤثرة كاستقرار المركز الائتماني ونمو دخول الأفراد، قد يعود لأسباب من بينها الاضطرابات السياسية بمنطقة الشرق الأوسط، صغر حجم السوق المحلية بالمقارنة مع أسواق أخرى منافسة كالصين وإندونيسيا والتي تتفوق في معدلات تعداد السكان، أيضا عدم توفق سياسات هيئة الاستثمار المختصة بالمجال.
وانخفاض الاستثمارات الأجنبية المباشرة الخارجة يعني أن الشركات المحلية لا تزال بمرحلة صناعية متأخرة، حيث لا تملك المعرفة ولا التقنية التي تمكنها من المخاطرة والخروج برؤوس أموالها لتشغيل أنشطة دولية لنشر وتعزيز علاماتها التجارية عالميا، وذلك بالرغم من توافر أسواق ناشئة وذات متطلبات غير معقدة كالسوق الإندونيسي. وإن انخفاض المنافسة محليا لغياب المنافس المتميز سواء الوطني أو الأجنبي جعل الشركات الوطنية تتراجع في سياسات الإنفاق على الأبحاث والتطوير أو الخروج باستثماراتها المباشرة للبحث عن فرص تكامل تقنية مع شركات دولية، بالتالي نشهد تراجعا بالاستثمارات المباشرة الخارجة.
في الواقع، القاعدة الصناعية غير واسعة وهي بالغالب متركزة على الصناعات البتروكيماوية ومنتجات المعادن والغذاء، لهذا لا تتصل المخرجات بسلاسل القيمة التي ترتبط بالتقنية، ما يصعب عقد شراكات بحثية وتطويرية مع شركات دولية مختصة بالمجال. ولكون المصانع محدودة العدد وتعمل من أجل مقابلة متطلبات السوق المحلية، تنخفض المنافسة – وهي من أهم محفزات التطوير. ينبغي لهيئة الاستثمار ووزارة التجارة والصناعة دراسة المسائل بشمولية وتكامل عند وضع السياسات التطويرية، فهي معقدة ومتشعبة ولا تقتصر على البعد المحلي، بل مرتبطة وبعمق بتطورات الصناعة والتجارة الدولية.
الاقتصاد الوطني: تقدم مالي.. تأخر صناعي
حنان المرحبي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
