محلّياً بدا الخوف هو المسيطر على مناخ التطوّع بالمهنة والوقت من الجهات الثلاث (الرسمية والفاعلة والمستفيدة) ومعه لباسٌ فضفاضٌ من الشكّ والريبة.
مرّت عليّ الكثير من الحالات التي ذهبت متحمّسة لبعض الأجهزة الرسميّة بغية التطوّع الفعلي للمشاركة في تعليم أو رعاية أطفال أو العناية بذوي الاحتياجات الخاصّة أو الرعاية الصحيّة الأوليّة بل وحتى في النّظافة والصّيانة وخرجت تلك النّفوس الراغبة حائرةً من قومٍ لا يحبّون المتطوّعين.
بالفعل يندهش المسؤول الحكوميّ من شاب أو شابّة أو متقاعد يطلبُ أن يشاركهم مهاراتٍ يحسنُها دون مقابل مادّي بل لمجرّد شعوره بالمسؤولية الاجتماعية والمجتمعيّة وإحساسه بواجبه الدّيني والوطني، ثم يصل ذلك الاندهاش للتخوين والغمز واللّمز بألا يصدّق المسؤول بأنّ هذه هي الحقيقة، زاعماً بأنّ وراء الأكمةِ ما وراءها وهو في غنى عن تورّط في مسؤوليّة لا يريد تحمّلها، فتنكسر مجاديف الطموحين، وتنخسف أرضٌ بالمحاولين.
ولو يعرضُ طبيبٌ أو قانونيّ أو مربّية أو عالمٌ أنفسهم على جهاتٍ هي بحاجة لأمثالهم لا يسمعون سوى جملة (ليس لدينا توجيهات بقبول المتطوّعين) ثمّ سينفذ وقود حماس هؤلاء وهم يراجعون ويتابعون وينتظرون ويستجدون ويتوسّطون ويوسّطون ولا يصلون إلى نتيجة في الغالب، وخلال ذلك سيسمعون من أحدهم سخرية بقوله (تصرف على الحكومة)!!
وحين يقول طبيبٌ بأنه مستعدّ للكشف المجاني على عجزة في دار مسنّين أو طلاب في مدرسة قيل له: اكتب طلباً وسننظر في الأمر، لتموت العجوز ويتخرّج الطفل وهم ينظرون في الأمر، فتربّى جيل يعتقد أن التطوع فسحة ونزهة وقضاء وقت فراغ ليصبح منهم مسؤولون لكنّهم لا يحبّون المتطوّعين.
العالم اليوم يعتني بالتطوّع المهاريّ والعمليّ للتنمية الاجتماعية والاقتصادية في هامش كبير من الحرّية المنضبطة بثّتها دولٌ رأت في المتطوّعين مَعينَ إنجاز فاستحثّت منهم بذْلَه فنجحت ونجحوا، ورغم أن فلسفتنا الاجتماعية قائمة على أن النّاس للنّاس، والأصل في أن التطوّع لا يتطلّب إذناً من أحد ولا استئذاناً بيروقراطيّاً مقيتاً، فإنّ الوضع السياسي اختطفَ حتى التطوّع الماليّ من بين أيدينا في ممارسة ضلالٍ وظلم للناس بدل معونتهم من منحرفي دعوةٍ وتغريرٍ، في حين أن التطوّع في أوطان أخرى أضحى ثقافة وفنّاً وهدفاً لا يُغفل. فهل من منقِذ؟
ولكنّهم لا يُحبّون المتطوّعين
محمد أحمد بابا2 دقائق للقراءة

حجم الخط
